وأما مجالسته فإنها مجالسة تطفح بالإنشادات والإنشاءات والإشادات، فقد كان خزانة أدبيات، وزهرة يانعة عابقة بشذى الأدب العالي، ومنبعًا فياضًا بالنكت والنوادر المستطابة، ثم هو لا يتوسع في الكلام إلا مع من يأنس منهم إطراح التكلف، ومن أَلِف معاشرتهم، وعرف ضمائرهم وسرائرهم، فتراه بينهم لا يكاد ينكف عن إيراد الملح والفوائد، وهو متهلل متبسم، وربما ضحكًا مفرطًا، غير أنه عند الضحك يغطي وجهه بمروحة لا تكاد يده تخلو منها، فيتفتق عن النكت والمستملحات، والفوائد الجليلة، والأبيات الشعرية اللطيفة، أما إذا كان مع من لم يعرف بعد طواياهم، فإنه لا يكاد ينبس بينهم ببنت شفة، وتلك طبيعة فيه، ومن لم يعرفه يكاد يعده من الجهال، فقد جمعتني الأقدار به مرة في ( فاس ) في مجلس ضخم ضم بعض علماء، وذلك نحو 1345هـ، فألقى بعض العلماء أسئلة على الحاضرين، فكانوا يتجاذبون البحث فيها، وكان هو صامتًا مطرقًا، وجالسته أيضًا مرة أخرى في دار المرحوم السيد الحاج مبارك بن علي المناني التيمدويني المعروف عند أهل ( رودانة ) بالسيد مبارك السفروري في سنة 1354هـ، وكان في المجلس العلامة سيدي أحمد بن المسلوت، وصنوه الأديب سيدي الرشيد، فاندفعنا في المباحثة حول آية من القرآن، فلزم هو السكوت حتى انفصل المجلس، ومع كل ذلك فإنه إذا جد الجد، وجالت الأقلام على الطروس أخذًا وردًا في المسائل 11/18