جاء عبد الله يومًا في عشية من إحدى القرى إلى قريته فلما قارب القرية إذا به يلمح والده جالسًا في مكان يألف أن يجلس فيه كل عشية، فعرته هيبة والده، فانخنس في شعبة، ثم فكر فقال في نفسه: إني وإن رغت عن والدي ما رغت، لابد أن ألقى أبي في الدار، فظهر له أن الأولى أن يتقدم إليه الآن فليكن ما يكون، فأزال عنه البندقية وحمائل البارودية والخنجر، فتقدم إلى والده، فسلم عليه، ثم التفت إليه الوالد قائلًا: يا عبد الله ألم يأن لك أن ترجع إلى الصراط المستقيم، ألم يأن لك أن تفكر فيما أنت فيه؟ أم يأن لقلبك أن يخشع لربك؟ ما هذه الحالة التي أنت عليها، وإلى متى أنت في عمهك، وما هذه الغفلة التي استولت عليك، فالتهمت عقلك وكسفت لبك؟ أما تدري أنك من أسرة لا تشرف إلا بالعلم والدين وتلاوة كتاب الله، فإنك لو حلفت أنه ما من صخرة أو مقعد أو موطأ قدم حوالي قرية إيديكل إلا وقد قرئ عليه القرآن من أحد أسلافك لما حنثت. ما هذا يا ولدي؟ أنفجع فيك وأنت أنت -هكذا ثر الوالد بأمثال هذه النصائح على الولد، فإذا بالولد يتأثر ويبكي، فيعاهد أباه على الرجوع إلى قراءة العلوم، فخيره أبوه في الأساتذة، فاختار سيدي محمد بن علي اليعقوبي فكتب والده في الحين رسالة معه إلى الأستاذ. فكان ذلك الوقت هو الحد الفاصل بين حياة صاحبنا هذا، وسننظر ما هو فاعله في حياته الثانية.
في مدرسة سيدي يعقوب:
التحق بالمدرسة (اليعقوبية) وتقبله أستاذها بكلتا اليدين، لما بين الأسرتين من الاتصال، فقد رأيت سيدي محمد بن أَحْمَد بن القاضي أخذ عن علي بن سعيد والد هذا الأستاذ محمد بن علي الذي مثل بين يديه هذا التلميذ الجديد.