أما آثاره فقد رأيت له فتاوي شتى بعبارات واضحة في بعضها ويقطع في النوازل بأحكام صارمة وقد قرأت له في واحدة ما نصه: لا ضرر ولا ضرار، قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وكذلك رأيت له رسائل إلى بعض معاصريه كالقاضي محمد العربي الدرعي والأستاذ محمد بن محمد الوولتي الطاطائي يسأله عن مسألة من المسائل الغامضة وذلك مما يدل على تثبته كما رأيت أيضا رسالة من رؤساء تازناغت، يطلبون منه أن يرجع إليهم ويخاطبونه باحترام زائد ولم يخلف بعده إلا بنات تزوج إحداهن الأديب الحسن بن محمد الركني الآتي ذكره وأما الذكور فقد درجوا في حياته.
أما القاضي سيدي محمد العربي الدرعي المذكور، فإنه علامة جهبذ كبير القدر، تخرج من فاس وكان حافظا دراكة، يسميه أستاذ فاسي يوم كان بفاس نور المجلس وقد وقفت له على قصيدة رفعها للمولى عبد الرحمن سلطان عصره يشتكي من ظالم يسمى إبراهيم البردي الدرعي ونصها:
إليك أمير المؤمنين تحية *** تفوح بنشر الروض في زمن الورد
وتهدي لكم من رحمة ما اعتلى الضحى *** سحائب يبدي وبلها زهر الحمد.
فلست ترى إلا معاني سؤدد *** تمد إليك مطلب الفخر والمجد.
لك العهد من محيي العلوم الذي قضى *** وأفضى لما أسدى وأندى من الرشد.
هنيئا لما رقيت من رتب العلا *** ومن متجر أرباحه جنة الخلد.
فشكرا لمن أولاك نصرا مؤزرا *** به نتقي إذاية القاسط البردي (1) [16/17]
وإن لسان الصبر يكثر جلها *** ويبدي التي في الدين في كتبها تردي
يكيد لنا كيدا ويرعد بالأسى *** وساعده ذوو الفساد على الأد (2)
وما هو إلا في الشريعة خائن *** يصد عن أتباعها أيما صد
إلى آخرها فقد كنت أنوي أن آتي بها هنا كلها ولكن حال الجريض دون القريض فقد حال بعضها سقوط الوزن عن أن تمتد العين إلى إتمامها إلا أنه يقول في آخرها:
إلا يا أمير المؤمنين أغماثة *** وعدت بها في الطرس يا صادق الوعد.
(1) القاسط: الجائر.
(2) الأد: كفلس وحمل المنكر.