نصيحته، ويكون فيه التماس ثوابه إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين، وإرشادهم إلى فهم أحكام الشريعة، وقواعد الدين؛ ليثبت ذلك في قلوبهم، وتنقاد إليه طبائعهم، قال أبو محمد ابن أبي زيد رضي الله عنه، وأولى ما عنى به الناصحون ورغب في أجره الراغبون: إيصال الخير إلى قلوب المؤمنين، ولقد ظننا ظن القوى بل حققنا أن [ 14 / 18 ] من فتح هذا الباب بنية جليلة ورفق ولين وموعظة كريمة وتوجه إليه بكله وبعضه، ولم يخف في الله لومة لائم، لتغنين به الطيور في الهواء، وليتحدثن به الإنسان والسماء والأرض والأشجار والأحجار والحيتان في قعر البحور، وليسبحن له كل، فكيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها يصلون على معلمي الناس الخير، وقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في قعر الماء"، وروي أنه عليه السلام دخل المسجد، فوجد مجلسين أحدهما يذكرون الله والآخر يتفقهون في الدين، فقال عليه السلام:"كلا المجلسين على خير، وأحدهما أحب إلي من صاحبه، أما هؤلاء فيذكرون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما الآخرون فيتعلمون العلم ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما، فجلس إلى أصحاب الفقه"، إلى غير ذلك من الأحاديث، وهكذا دأب السلف الصالح رضي الله عنهم، فيجب علينا اقتفاء آثارهم كل الاقتفاء قولا وفعلا وتركا، فلأن يتحدث شخص واحد عنك سيدي بهذه الأمور الأخروية أحب إلي من أن يتحدث جميع الناس عنك بالكنوز والكيمياء ومنح الشيوخ الرؤساء أو منعهم، على ما ليس في أيديهم وهو النصر، قال تعلى: (وما النصر إلا من عند الله) لتقديح لسان العلم ذلك كله غاية التقديح في عامة الناس، وهو في خاصتهم أقبح وأشنع، وأميرهم الذي وعدنا محمد صلى الله عليه وسلم بخروجه آخر الزمان، وأخبر أنه يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما