أخذ سيدي يوسف القرآن عن والده، وعن الأستاذ العربي بن الحسن في زاوية (أكلو) مسقط رأسه، وبهذا تخرج، ثم افتتح العلم على والده حتى شدا عليه، ثم انتقل إلينا أواسط 1354ه، فلم يلبث أن نفض عنه شظف البادية وتجهمها، وألقى عنه غلظتها وجفاءها، وقد أعجبني منه ذكاء وحفظ ظهرا منه بسرعة، ولكن لم يكد يتجاوز حد الاستعداد إلى 445/13
446/13 التفوق حتى نادي فينا منادي الفراق، فتفرقنا شذر مذر، فالحقت أنا بـ (إلغ) منفيًا، والتحق هو ببلده بعدي بنحو شهر، حين أيس من عودتي، فمنذ ذلك الحين بقي مع والده، وتأسف كثيرًا حين تضع شبيبته، وشبيبة مثله في ذكائه وحدة نظره وسرعة حفظه غالية لا تقوم، وقد كانت قريحته تميل إلى الأدب، فيحاول أن يصوغ آيات باهرة، وقلائد بارعة، وطبعه حقيقة أدبي فغالب من أخذوا عنا هناك، كالشاعر الحسن التناني، والمفوه عرفة الفاسي، والنابغة عبد الحي البزيوي، والمنطيق الجرئ محمد بن العربي الاسفي، وشوقي أحمد بن محمد بن العربي الدكالي ومحمد الروداني النابغة، وإبراهيم الأخ الإلغي وابن العم إبراهيم بن أحمد، وآخرين أشربوا حب الأدب من بين تلك الدروس الأدبية التي كانت تلفت أنظارهم أكثر من غيرها من الحديثية والفقهية والأصولية، مع حرصي على أن يهتبلوا بالأدب وحده، اهتبالًا ينسيهم غيره من الفنون، ولكن لم يكادوا يفلتون من قبضتي حتى ولى كل وجهته إلى الأدب، فنبغ منهم أمثال المتقدمين ومن خلق لشيء فإنه لابد واصله.
وهكذا كان يوسف السماهري هذا، فإنه قد أعرض من بعدي عن جميع الفنون وعن تعاطيها إلا لمامًا، غير أن الأدب لا يزال له من جانبه نصيب كبير، وقد جلس إلى حين بت في دارهم هذه السنة 1361ه.