الصفحة 59 من 9223

48/1 ثم تطبخ طبخا جيدا بعد ما تلت بالمعصدـ وهو عود تلت به العصيدة في مطبخهاـ لنا محكما حتى تغلظ, ثم تغرف إلى الجفنة, وتسنم فيها ويحفر في أعلاها حوض مستدير يملأ بالزبدة الذائبة حتى يطفح, ويؤتى بإناء اللبن. وأجود الألبان ما لا رائحة فيه من وطب، ولا مذق بالماء ولا حموضة, ثم يستدار بالجفنة, فيأكل كل من جهته بكل أدب لقمة لقمة حتى إذا كان أمام كل واحد حفرة, أو حفر فيها من أول وهلة حفرة, يصب فيها من اللبن ثم يلته بأصابعه, وهو يغرف من الزبدة قليلا إلى ملتوته، وقد يغافل من معه إن ارتفعت الكلفة بين الآكلين, فيبثق من حوض الزبدة بأصبعه, فترشح إليه الزبدة, ومتى لت أمامه وصار كالحريرة، يتناول منه بيده, ولا تعرف الملاعق في مآكل إلغ, وهكذا دواليك. حتى يكتفي من الأكل اكتفاء غير النهمين الشرهين, وللقوم أدب عال في المؤاكلة, هذا هو المعروف، وأما هذا الذي وصف في القصيدة فإنه مقصود للأحماض ولأريحية الأدب:

لمن جفنة قد أقبلت تتألق *** تلوح بلألاء العصيدة يبرق؟

مسنمة حتى كأن سنامها *** شماريخ طود لم يكد يتسلق (1)

وقد فغمت منها الخياشيم نكهة *** تطيب بها كل النواحي وتعبق (2)

أهذا أريج المسك أم نفح روضة *** أزاهيرها تحت الصبا تتفتق؟

نعم إنها من غير شك عصيدة *** من الذرة المعطار إن كنت أنشق

وعهدي بأنفي ليس يغلط شمه *** فيا طالما شم البعيد فيصدق

ألم ترها كالثغر أشنب باسما *** وللشنب البراق فيه تألق

تميس بلون الثلج أبيض ناصعا *** متى جال فيها لحظ غرثان يشهق (3)

لها قمة في وسطها حوض زبدة *** (كجابية الشيخ العراقي تفهق) (4)

(1) الشماريخ ج شمراخ: بالكسر رؤوس الجبال؛ وتسلق: الجبل طلع عليه؛ وتسلق الجدار:

(2) الخياشيم ج خيشوم: ثقبة الأنف؛ وفغم العطر أنفه: ملأه.

(3) الغرثان: الجائع:

(4) الشطر الأخير من قصيدة الأعشي المشهورة؛ وأوله:

(نفى الذم عن آل المحرق جفنة) .. وفهق الشراب في الكأس: إذا سال من جوانبه لكثرة الامتلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت