الصفحة 54 من 9223

(كما يقول ابن رشيق) لأن الفلاح ذكرا أو أنثى يريد أن يبكر إلى حرثه, وعند الزوال يكون التمر هو الهجوريـ ما يؤكل بين الغداء والعشاءـ وعند الغروب التعشي بالعصيدة إن كان في البيت لبن, وإلا فالكساكس, هذه هي المعيشة المطردة, وقلما يخرج عن ذلك إلا بضع ديار، وهي دار آل صالح أغنياء القرية, وإلا رؤساء إيغشان إن كان عندهم أضياف (1) وإلا فمثلهم مثل غيرهم في المعيشة المعتادة, وأما دارنا, فإن الوالد وإن كان متسعا إلا أنه لتصوفه حريص على عدم الرفاهية فيماشي عادة البلد، فلا لحم إلا فينة بعد فينة بحيث لا يغير ذلك إلا فيما يقدمه لبعض الأضياف الذين يحتفل لهم وحدهم لا لأبنائه ولا لمن في زاويته من المنقطعين, هذا ما فتحنا عليه أعيننا. ثم بعد الاحتلال صارت المعيشة تتغير, فيدخل الأتاي في المعيشة شيئا فشيئا. حتى عم البيوت بيتا بيتا, وكذلك اللحم صار يزور جميع الديار فينة بعد فينة, وربما في كل أسبوع، بعد أن كان غالب الأسر لا ترى اللحم إلا في عيد الأضحى. أو إذا وزع أهل القرية بذبيحة يجتمعون عليها في مثل عاشوراء. أو كانت حفلة من الحفلات التي تقام سنويا على المشاهد المحترمة, ولم نكن نعلم في صغرنا من يدوم اللحم في دارهم إلا دار الرئيس الإيغشاني الفديم, وتضاهيها دار الفقيه علي بن عبد الله, ثم تتلوهما دارنا أحيانا إن حضر والدنا وكثيرا ما يغيب, وإلا فنبقى شهرا أو أكثر لا نذوق مرقة. والشعير هو عماد المعيشة, ولا يعرف القمح بعض الأضياف إلا في بعض الديار حتى إن هناك حكايات مضحكة تقع وتحكى كالنوادر, أودعنا منها في كتاب: (قطائف اللطائف) . وأما الفاكهة فلا يعرف هناك كثيرا إلا ما يستورد

(1) بات الأديب البونعماني سنة 1351ه. عند الرئيس أحمد الإيغشاني فتعشى عنده العشاء المعتاد بالعصيدة واللبن. ولو كان احتفل لتنكبت العصيدة لمثل هذا الأديب. لأن الإيغشاني إذ ذاك لا يرضى أن يقدمها لمثل هذا الأديب. لو احتفل به وعرف قدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت