مر عام 1346 ودخل العام الذي بعده وقد ارتاش الناس، وضمت المسغبة المشهورة إذ ذاك أذيالها، ففي يوم عاشوراء من العام الجديد اجتمع الناس صباحا على العادة، فقام فيهم الأستاذ خطيبا، فبشر وأنذر ووالى المواعظ المبكية ثم حمل على الحاضرين في سكوتهم على العادات المستهجنة التي ترتكب ليلة ذلك العيد من مناداة الذئب والثعلب، ومن اجتماعات تكتظ بالرجال والنساء في الملاعب, ثم قال: ماذا صنع لنا الذئب والثعلب؟ وهل هما اللذان أخرجانا عن الصراط المستقيم؟ وهل هما اللذان ساقا محارمنا وشبابنا حتى خلطوا بينهم في الملعب؟ فما لنا أيها الناس لا نعتبر؟ وما لنا لا نقف فيما بيننا وبين أنفسنا حتى نعرف من أين أتينا؟ فيا للمصائب ويا للرزية, فقد صبت علينا الكوارث من كل جانب، بسبب اجتراحاتنا الكثيرة وإغراقنا في الذنوب التي نسدر في غلوائها 375/1
376/1 غير مبالين، فصار رحمه الله يعظ على هذا المنوال في كلام كهذا، وعبراته تنهل على لحيته البيضاء وزفراته متوالية في وجوه الحاضرين، حتى غلب على نفسه ولم يمكن له بعد أن يجلس بين الناس تأثرا وتدفق عبرات، فانصرف من غير أن يدعو للناس على العادة فترك كل من حضر بين ذي قلب ذائب وذي نفس متطايرة, فبقي له ذلك الموقف يذكر كلما عن ذكر الأستاذ ومواقفه في الوعظ، فيفعم عليه المحدثون سجلا من الثناء.
وإنما المرء حديث بعده *** فكن حديثا حسنا لمن وعى