الصفحة 518 من 9223

هذه كلها خلال الأستاذ التي صاحبته إلى آخر حياته، التي ابتلي فيها بتلك الرئاسة والتي صار يتململ منها أخيرا، وقد عاين بعين البصيرة تلاعب الناس بالدين، وخلو نفوسهم من الغيرة عليه، وفساد النيات, واختلال الأحوال, وتكاثر الأهوال, والمرء لا يخرج من شديد منها إلا إلى ما هو أشد، فعزم عزما أكيدا أن ينزوي في داره وأن يطلق هذه المجامع وكأنه شاهد الصخرة قد تدحرجت من قنة رأس الجبل في منحدرها, وقد شاهد كيف ذلك المنحدر فأيقن أن الصخرة لا يردها راد حتى تصل إلى قعر الوادي، هذا ما كان خطر له يوما رحمه الله، ولكن الأعاصير لم تذره في انزوائه فهبت عليه مرة أخرى عاصفة من عواصف تلك الأيام المقلقة بين أعاصير الكفاح، كانت ابتدأت من بني عمران فجرفت كل ما أمامها فكان الأستاذ مما جرفته مرغما فلاقت الحملة ما لاقت في قبية أيت عبلا وقد وقفها الزكريون، وهم الذين كانوا سبب هذا الزحف؛ لأمور كثيرة ذكرناها في غير هذا المحل, ثم لم تلبث هذه العاصفة أن تضاءلت تضاؤلا مخجلا كسا كل من كان فيه حياء فيما بينه وبين نفسه، فضلا عن وسط الرامقين وقد ظهرت السرائر وافتضح المراءون وظهر أن لا غيرة ولا إيمان، ولا قصد حسنا وأن كل ذلك إنما هو من أجل دراهم معدودة يتوصل بها بعض المغرضين كالقائد المدني وأمثاله، ثم لم يرزؤا الزكريين قلامة ظفر، ولا وطأهم كما زعموا فقال الأستاذ: واأسفا على نقض عزيمتي وعلى أن راجعت هذا الهرج من جديد فرجع من ذلك الزحف الذي كان بعد عام 1343ـ ثم لم تلبث طلائع مسغبة- 1345 ه‍1346 ه‍أن طلعت على أهل هذه الجهة، فعركت الناس عركا ولاقوا منها عرق القرية، وقد نال الأستاذ منها بعض جهد؛ لكثرة عياله، ولكثرة أضيافه ولعظم نفقات مجده- ومعلوم ما للمجد من نفقات باهظة- وقد خلت الأهراء ونفدت الذخائر، وأعوز المعينون، وقد أصيب الأستاذ عام 1337 ه‍بخروج أملاك إيشت من يده وهي التي كانت تمده بتمر كثير، وغلل أخرى غير قليلة، فاضطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت