(أقول) : إن غاية مرادنا أن ندرك السبب الذي انتخب به من بين أقرانه الموفورين. فقد رأيت من كلام الترغي ما رأيت. والمستشار مؤتمن كما رأيت أيضا كيف يعامله مريده السلطان. وكيف يعامل أيضا هو بدوره مريده السلطان. فلا يتدلل عليه. ثم رأيت ما حكينا من أن له مقاما خاصا بين طبقات معاصريه لا يشاركه فيها أحد. حتى أنهم يكادون يقطعون بولايته مع أن ذلك غيب لا يمكن أن يطلع فيه على الحقيقة. إلا أن ألسنة الخلق أقلام الحق. وكل ما استتر فلابد أن تجد له آثارا بينة. ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
على أن التعديل يكون بلا ريب بالاستقامة الظاهرة. وهي الظاهرة على الشيخ في كل أدوار حياته. حتى في وقت بلوغه أوجا تتذبذب دونه مقامات أقرانه. ولإجماع طبقات الناس المختلفة الأنظار والمعتقدات تأثير عجيب في إصابة الحق.
إنزاله الناس منازلهم
مما يلفت الأنظار من سياسة الشيخ أنه ينزل الناس منازلهم. وإنزال الناس منازلهم يظهر أثره من الضيافة. ومن المعاملات ومن المحادثات. فقد رأيت كيف أعد لضيافة السلطان ما يليق بمقامه. كما نقرأ من أخبار أبي العباس المسكدادي التيزركيني كيف كان تطلب منه تأليف أشياء من مسائل التصوف - وسيأتي ذلك - وكما علمنا أنه كان يسمي دار صاحبه سيدي محمد بن إبراهيم الشيخ التامانارتي بدار السنة. ولهذه الظاهرة
من أخلاق الشيخ مزية سامية في أنه اجتماعي يليق لتهذيب مختلفي الطبقات. فلا نعجبن إذن إذا رأينا إجماع الطبقات كلها مطبقا على أنه فريد عصره وإمام دهره:
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا *** حتى يروا عنده آثار إحسان