أقول هذا واليأس حاصل منكم. لعلمي أن هممكم باردة. وأذهانكم جامدة. ونفوسكم في مراضى الله زاهدة. لأن أبناء (المغرب) من عنصرين فقط. فأبناء (المغرب) الجنوبي جلهم من نسل السردان. وأبناء (المغرب) الشمالي فغالبهم صقالبة من بقية الرومان. ولهذا فقدت منهم الغيرة. واستولت عليهم الهمجية. حتى لم يوجد فيهم من يميز بين الحسن والقبيح. ولا ما بين العليل والصحيح. وإن كان (المغرب) بالطبع لا يخلو من أبنائه الأصليين. كأبناء الأشراف. وأحرار العرب فقليلون. وهم الذين أبوا الذلة. وتفانوا في الدفاع عن أعراضهم. وانتحوا عن أوطانهم تجافيا عن الدنايا. والتماسا للمزايا. راجين بذلك رضى الله وما وعدهم به من غفران الذنوب وتضعيف الأجور إذ قال: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن المئاب)
وإياكم عباد الله والإمتعاض. فإني قد سبرت هذا واستقر عندي بالتجارب. فكم من رجال غيورين (1) تكبدت في طريقها المشاق العظام. وذاقت أنواع الذل والمحن. وأتتكم لتنقذكم من الردى. ولتنتصر بكم في رد هجمات العدا. فلم تفلح ولم تصادف منكم أذنا صاغية. ولا قلوبا واعية وإنما كان نصيبهم منكم أن رجعوا منكسين عزائمهم. وباخعين نفوسهم وهممهم. وبعضهم بطشت إليهم يد الأجلاف بالقتل جزاء قصدهم فيكم. رحم الله تلك النفوس الأبية. التي بذلت مجهودها في الأخذ بثأرها حتى ماتت. فعند الله يجدو الجزاء الأوفى.
(1) يعني غير. لأن فعولا كصبور لا يجمع جمع المذكر السالم.