إن مما اختصت به إلغ أن لا نياحة في جنائزهم حين تخرج من الدار فكل ما هناك بكاء النساء والصبيان داخلا. حتى إن الخارجين لا يسمعون بكاء الداخلات المفجوعات, وطالما حضرنا أمثال هذه المواقف، فلا نحس إلا لوعة في الصدور, أو دموعا تترقرق مغالبة في العيون, مع تجلد المصابين, والميت يغسل على السنة ويكفن ثم يحمل في الشبكة، ولا يعرفون الآلة الحدباء التي ذكرها صاحب (بانت سعاد) (1) ثم يصلي عليه عند القبر وتقرأ 35/1
36/1 سورة يس عند الإقبار. ثم يلقن الميت أمثل الحاضرين, ثم يستحضر الطلبة في اليوم الثالث والمساكين, فيختم القرآن ويطعم الحاضرون, والبيت الذي يتوفى فيه لا يزال يبخر ويحترم إلى أن تضعف ذكرى الميت, وتتعمد الثكلى المحدة أن لا تلبس إلا الثياب التي لا تلفت الأبصار، ولا تكتحل ولكنها لا تترك الغسل والاغتسال ولا تقرب الصابون في غسل ثيابها, فيما قيل لي: إن هناك إلا الأشنان.
الحرف والصنائع
مما يتعجب منه المطلع في كل نواحي المغرب، أنه يجد في كل جهة من الحرف والصنائع ما تدعو إليه الحاجة الحيوية, فلو كنت الآن بصدد كل ما أعرفه في سوس, من الصنائع التقليدية التي أدركناها لتعجب القارئ من حدادة في كل أنواعها التي من بينها صناعة السلاح من البنادق على الطراز القديم, ومن السيوف والسكاكين بأنواعها, وهي صناعة سملالية، ومن الصياغة العجيبة, حتى إن الحلي السوسى له ميزة خاصة, وأما صناعة الصابون والجلود من الأكياس والجرب والقرب والوسائد وهيـ صناعة ممتازةـ فإنها منبثة في جزولة وخصوصا في آل حامد، وكذلك صناعة السروج, بله الأكف, ولهذا الموضوع ذيول, لعلنا نؤدي له حقه مرة أخرى.
نعم إن الذي يهمنا الآن هو الحرف والصنائع الإلغية, كلوا وارعوا أنعامكم. فقد كان الأستاذ سيدي محمد بن عبد الله يقول: إن هذه آيتنا نحن الإلغيين.
الحدادة
(1) كل ابن أنتي وإن طالت سلامته *** يوما على آلة حدباء محمول