الصفحة 4111 من 9223

ثم إنني أنهي إلى شيخي الذي به ريشت أجنحتي، ووفرت (1) قادمتي وخافيتي، أن الأحوال فيما وراء ما في الفؤاد، من ألم البعاد، على خير كثير وثير (2) ، وقد وجدت الأهل من العيش الرخي على فراش وثير (3) ، وخصوصا منذ عرفوا أنني نزيل بني المهلب (4) ، وأنني، حالة غيبتي عنهم، في أمن من الدهر وإن ألب (5)

تسترت من دهري بظل جنابه *** فعيني ترى دهري وليس يراني (6)

وقد صادفنا هنا مطرا غزيرا، وخصبا عميما كثيرا، فقد ازينت الأرض وماست في غلائلها، وتوشحت بأوشحة الزهور، وتكللت بأكاليلها، فلا تسل عما يخامر القلوب من النعمة التي وكفت (7) من مكسو غير مسلوب، وهذا مصداق ما كان شيخنا (8) أنشدناه يوما:

إن هذا الربيع شيء عجيب *** تضحك الأرض من بكاء السماء

ذهب حيثما ذهبنا ودر *** حيث درنا وفضة في فضاء

وقد أخبرت سيدي بهذا، لأنني رأيته يبتهج بعموم الخير، وهطول القطر لينتعش الأنام، ويعيشوا في بلهنية (9) عيش في السلام.

وأسلم على الأولاد الأفذاذ، ومن له بذلك المعقل الملاذ، طالبا لنفسي قسطي من الدعا، فمن تخلف عن الحج بعذر، فكأنه لبى وطاف وسعى (10) ، والسلام على الشيخ أولا وآخرا.

وكتب إليه أيضا:

أما بعد: فقد وصلت هذا الإنسان، وتلقتني منه اليدان، فوالى من الإحسان ما يكل عن وصفه البيان، وسأتولى الوصف متى رجعت باللسان

(1) وفر ككرم ووعد: كثر.

(2) كثير وثير: اتباع، كحسن بسن.

(3) وثير هنا بمعنى: وطيء.

(4) قال:

نزلت على آل المهلب شاتيا *** غريبا عن الأوطان في زمن المحل

فما زال بي إحسانهم وافتقادهم *** وبرهم حتى حسبتهم أهلي

(5) ألب: جمع.

(6) بيت لأبي نواس في الأمين.

(7) وكف: قطر.

(8) يعني: المخاطب.

(9) بلهنية العيش بضم ففتح فسكون: رخاؤه

(10) تلميح إلى قول ابن العريف:

يا راحلين إلى المختار من مضر *** زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا على عذر وعن شغل *** وما أقام على عذر كمن راحا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت