هذا، وقد ورد على العبد كتابك الخطير، وروض خطابك المطير، فحل مني بالمحل المكين، وتأكدت به أسباب الود بالقوة والتمكين، وأراني كيف انقياد القوافي في زمام البيان، وسمعا وطوعا لذلك البنان، لا جرم أنه اقتضاني خالص ود، وصحيح عهد، ولم يلتفت مني إلى معذرة، وإن كانت مقبولة، ولم يكلني إلى ما في الوسع من المقدرة، وإن كان لا ينكر في حال التكليف قبوله. فإن كان الذي رسخ في النفوس، من الود المصون المحروس، لا يخشى عليه من تسلط الطموس والدروس، فنحن في غنى عن تكلفات الأعذار، في حالي الإيراد والإصدار، وطالما صممت على التغافل عن الجواب، وهو الأولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يقيس الشبر بالذراع، والجبان بالشجاع، وكيف لا وكل من تكلف فوق طاقته افتضح لساعته، لكن عدم الامتثال محذور، والملجأ إلى ما لا يطاق معذور، فتكلفت ما يعرض عليك من الفقرات، استقالة للعثرات، على أن التخلف ليس لشيء ـ علم الله ـ آثرته على لقياكم، والتعطر برياكم، ولكن قضاء الدهر الذي لا يرد عن مراده ولا يصادر عن إصداره وإيراده، ولله في خلقه أمر لا تدرك العقول حكمته، وهو الذي ينزل إلغيث وينشر رحمته، وما جلبته في صدر كتابك الكريم من التنويه بحال ذكري، واستدعاء لسان حالك شيئا من نظمي ونثري، فاعلم أنني ممن زجر عن هذه الصناعة طبعه،
لأنها، كما قيل، كالياسمين، لا يساوي جمعه (1) . ولسان التقصير، كما قيل، قصير، لا سيما والبلاغة سوار ليست تعزك (2) عليه يد، ورداء الفصاحة منك مستعار، والعواري تسترد، وللبيان ماء لا يجري في غير ناديك، وينبوعه لا يتدفق إلا من أياديك.
ولو صورت نفسك لم تزدها *** على ما فيك من كرم الطباع
كتب إليك بذلك أخوك خاطبا لعقائل ودادك، وجالبا لكئوس المؤانسة على فؤادك.
وكتب إلى شيخه أحمد الجيشتيمي:
(1) صدق والله، ولا يزال الكساد مستوليا على سوق الأدب.
(2) تعزك: تغلبك.