الصفحة 4107 من 9223

كنت يوما في إحدى سنوات 1332هـ 1336هـ استدعيت الأستاذ إلى بيتي في المدرسة (التانكرتية) ، وقد كنت، إذ ذاك، هناك مجاورا للأخذ عن الأساتذة: سيدي الطاهر، وابنه سيدي محمد بن الطاهر، وذلك بمناسبة زيارة له للمدرسة، فتلوت عليه شيئا من (معاهد التنصيص) في ترجمة ابن العميد، فكان لطيفا في تفسيره للغامضات من كلمات اللغة، وبعد ذلك زرته في داره مع الأديب عبد الرحمن (البوزاكارني) ، فهاتان المرتان اللتان حظيت برؤيته فيهما فقط إذ ذاك، وكان منبسطا فكها، تتخلل المداعبة مسالك روحه في مجالس أودائه، وهذا بنفسه ما رأيته منه، إذ ذاك. وكان يعير من كتبه آنذاك لمن يتوقف على مطالعتها، وكانت له مكتبه زاخرة.

كما كان لا يستقر في مكان لكثرة تنقلاته، كذلك لا يستقر حاله في ذات اليد حينا يرتاش وحينا يحص (1) ، فتخلو جناحاه من كل ريشة، وقد باع مرة حتى كتبه:

قالت وأبدت صفحة *** كالشمس من تحت القناع

بعت الدفاتر وهي *** آخر ما يباع من المتاع؟

فأجبتها ويدي على *** كبدي وهمت بانصداع

لا تعجبي مما رأيت *** فنحن في زمن الضياع

وهذا هو السبب حتى كان يألف في رأس الوادي أكثر من بلده، لأن الرزق هناك أدر، واحترام أمثاله أكثر. والعاقل لا يألف إلا تحت الظل الظليل.

كان حينا كاتبا عند القائد سعيد بن محمد ـ فتحا ـ المجاطي، وقد رأيت بطاقات بخطه إذ ذاك، وكان خطه خط ابن مقلة، فاستنكفت له أن يكون ذلك الخط في غير المعالي، ولكن ما العمل؟ ولو خير كل أديب مثل سيدي محمد ابن الحاج لاختار، ولكن جفت الأقلام، وطويت الصحف بما كان وما يكون ولم يمكن إلا الانقياد للواقع

وأنكد الناس عيشا من تكون له *** نفس الملوك وحالات المساكين

بعض آثاره:

(1) حص الشعر: انحسر وزال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت