الصفحة 4105 من 9223

لمحت من عبارة مما تقدم أن هذا الأديب، ممن تحوم حوله حرفة الأدب، فيزور عنه وجه السعد، ويتأبى أن ينقاد له المجد، فبعد أن افتتح عهده بالتدريس في المدارس، بدا له فصار يتنقل بين المناهل، فتارة عند العلماء وتارة عند الرؤساء، فيوما هنا ويوما هناك، لا يستقر على حال، وقد يقصد من زيارته الأبواب لبعض القواد الكبار: أن يجد متسعا للورود، ولكنه لا يحظى من مراده بمورود، إلا بمقدار ما يتذوق، ثم يترنق الماء أمامه، وقد عبر عن ذلك في هذه الأبيات:

العيش عيش الآمن المجدود *** لا عيش كل منغص مكدود

فيم الحياة إذا الحياة كأنها *** أسف إلى أسف على المنكود

موت ولا نظر إلى من يرتجي *** منه ارتشاح إنائه بالجود

وقد يندم أحيانا على طروق الأبواب عند هولاء الرؤساء، وتركه للأنفة العلمية مع القناعة، فيقول مثل هذه القطعة التي صدرت عنه في حضرة الكنتافي، وقد رأى منه وممن حوله جفوة، بعد ما كان لا يرى منه إلا صحوا يقطر بشاشة:

يا للرجال لما يلاقيه فتى *** اسودت الأيام في أبصاره (1)

ما قال إني قد ظفرت بهادئ *** حتى يراه يهب في إعصاره

فإذا أمير كان يوما معرضا *** عمن يكون لديه في أمصاره

فالناس كلهم له تبع فلا *** أحد يكون لذاك من أنصاره

هذا جزاء أخي علوم ملها *** فيسومها الإغماض من إبصاره (2)

لو كان زاولها قنوعا كان في *** عز يسود به على أعصاره

فالرزق قدر، ما الذي يقضيه من *** ترجو معونته لدى إهصاره؟ (3)

كذلك يرجع على نفسه باللائمة أحيانا، فيميل على سبابته عضا، وعلى سنه قرعا، فيتمنى لو لم يفارق ما كان تصدى له أولا، ولكنه سرعان ما ينسى هذا الندم يوم يبتسم له الدهر ثانيا، فإذا به من الغرقين في الاغتباط.

(1) جمع بصر

(2) مصدر أبصر

(3) يقال هصر الغصن: أماله أو كسره من غير بينونة، وليس فيه أهصر رباعيا فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت