انتضى لهم السعد من طول الألفة سيفًا صقيلًا، قاطعًا ذكر ما منحه الدهر قبل جذيمة ومالكًا وعقيلًا، امتزجوا امتزاج الماء بالحُمَيّا، وتحابوا حتى لا تعرف من غيلان ميا، وتضايفوا ببحر صفاء، حذف نون اللائم والملوم، وتناسبوا بنسب شريف وما هو إلا نسب الآداب والعلوم:
نسب تحسب العلا بحلاه *** قلدتها نجومها الجوزاء
مع أخلاق كالنسيم المعتل، في الروض المخضل، وأحلام، كما رست الأعلام، وفلاح كما لاح الصباح، ورضى، يصير سَمَّ الخياط فضا، وعقول، كما مضى الحسام المصقول، وجود، يأتي على الموجود، وقبول، كالروض المطول، وبلاغة، آنست ابن المراغة (1) ، وقريض، يصفع قول الأعشى وإن غنى به الغريض، وجزالة ألفاظ أعادت سوق عكاظ:
فضلوا الأنام بفضل علم واسع *** وعلا مقامهم بفضل المنطق
وحكوا لنا وشى الرياض وقد وشت *** أقلامهم بالنقش بطن المهرق
فسبحان من أقطفهم ثمرات المجد يوانع، وشرفهم بل شرف بهم الدواني والشواسع،
فإذا تشرف بالفضائل غيرهم *** فهم الذين تشرفت بهم
فهم إلى رتب العلا طرق *** وهم على جبل العلا علم
كملوا وهم في المهد، وشرفوا وهم لا يزالون يمرحون بين الحجر والنهد.
خلق الناس من الطين وهم *** خلقوا من محض طين الشرف
فذووا المجد لدى ساحته *** وهم فيه بأعلى الغرف
فيالها من ليالي نفحاتها تزدهي على نفحات الحسن بين الثغر والصدغ، مرت لنا معهم في حضرة إلغ وما أدراك ما إلغ:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا *** ولبست ثوب اللهو وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته *** وعليه أغصان الشباب تميد
ليال هي غرر في جباه العمر، وأحجال في قوائم لياليها السمر.
هذه ليلة لها بهجة الطا *** ووس حسنًا واللون لون الغداف
رقد الدهر فانتبهنا وسارقـ *** ـناه حظا من السرور الوافي
بمدام صاف وخل مصاف *** وحبيب واف وسعد مواف
(1) هو جرير .