لقد علموا والدهر قد حال دونهم *** بأنني إلى تلك المعاهد مشتاق
وإنى لا أنفك أنشد هاهنا *** ( حنينا لأوطاني فدمعي رقراق )
هذه القطعة من مرتجلاته في دكان تجارته في ( الجديدة ) حيث يشعر كلما شاء ويتلقى وحيه بكل هدوء واطمئنان، وإذا وجدنا شاعرنا لم يحلق 269/9
270/9 في قطعته هذه كما كان يحلق دائمًا، فإننا نعلم أن له نفسا أعلى من ذلك وأسمى.
ثم إن أديبنا قصد بالأوطان في بيته ( حنينا لأوطاني فدمعي رقراق ) بلده سوس الذي يضم عشيرته وأحبابه ومسقط رأسه، ولم يدر أن كلمة الوطن يقصد بها الناس اليوم المغرب كله في الشمال الإفريقي، إذا نظرنا إلى الاصطلاح الجديد، ولو كان أديبنا في خارج المغرب، لأمكن له أن يقول ذلك، وأما إذا كان في المغرب الذي هو وطنه، وهو يتشوق إلى سوس الذي هو بلده، فالأولى له أن يقول حنينا إلى وكري أو إلى أرضي، ليمكن له أن يجمع بين الوزن والمعنى معًا، على أن أديبنا غير ملوم، لأنه حديث عهد بالتجديد، لا حديث عهد باللغة العربية التي ارتضع ثديها أولا من والده العالم الكبير محمد الكثيري، حامل راية الفتوى والتدريس سابقا في بلاد ( أملن ) ومن أستاذه الأديب الكبير أحمد اليزيدي السوسي الذي يعد اليوم في العالم العربي من كبار المقتدرين في الفنون العربية والأدبية، وكلمة الوطن من مصطلحات هذا العصر، وإن كانت تروج في الزمن القديم فإنها لا تروج بهذه الصبغة الحديثة، ومستند أديبنا في تعبيره روجان أمثال هذه الكلمة بهذه الكيفية، ( وهو الذي يسوغ له ذلك ) بوساطة أقلام القدماء حين يستعملون لفظة ( الوطن ) في محل لفظة ( البلد ) كما يعكسون، وخصوصًا شعراءهم ونحن إن انتقدنا صديقنا الكثيري، فإنما ننتقده انتقادا اصطلاحيًا لا انتقادًا علميًا.