أو لم يكن لأديبنا أن يسمع إسطوانة سوسية في شارع من شوارع الجديدة، أو يسمع رنة من رنات الوتر السوسي، أو على الأقل بعض الأغاني يسمعها كلما مر بإخوانه الغرباء السوسيين في متاجرهم، أو حول بيوتهم، إذ تنطقهم ذكرى بلادهم، وحبها المعدود من الإيمان، فيغنون بأناشيد شجية، رغم سذاجتهم، أو لم يكن له أن يسمعها، وإنها لعَمري لأناشيد لو أصغى إليها من يفهمها ويتذوقها لملأ الدنيا أشواقا وزفرات وحنينا.
لكن قطعة الأديب الكثيري - رغم هذه الملاحظة - سيراها القارئ تعبير عن خير وإخلاص لبلاده، وكيف لا وهو من الشبان المتنورين المثقفين ثقافة أدبية ناضجة في معاهد بلاده سوس، فلا غرو إن رأينا منه إخلاصا في شوقه إليه، وأي برهان على إخلاصه نحو بلده كقوله في هذه القطعة:
حنينا لأوطاني فدمعي رقراق *** وقلبي من ذكرى الأحبة خفاق
يمينا بمن قد زار طيف خيالهم *** ولي منهم عهد قديم وميثاق
لقد حكم البين المشت بمهجتي *** كما حكمت في مهجة الصب أحداق
فمن لي بأرض كلما عجت نحوها *** فللواش ((1) ) إرعاد هناك وإبراق
ترحل عن جفني القريح غراره *** وحل به دمع يواليه إرهاق
وما لي لا أسلو وفي الصبر راحة *** وقد سئمت من بث شكواي أوراق
أراني إذا هب النسيم تجددت *** شجون تحثها لقلبي أشواق
وإن لاح برق أو تغرد طائر *** دهاني هجوم لا يزول وإطراق
نهاري كليلي من شجون تواردت *** ألم يأن يا ليل التسهد إشراق ؟
يمينا لدهر قد رماني بغربة *** عن الأهل، دهر لا يواتيه إشفاق
تذكرت إخوانا كراما وجيرة *** هم لضنى قلبي الموزع ترياق
رعى الله أياما توالت بقربهم *** وجاد عليها هاطل المزن مغداق
هم العيد لو من الزمان بوصلهم *** فيجمد من دمعي ويخمد إحراق
فإن ظفروا في أرضهم بمناهم *** فحظي في أرض ( الجديدة ) إخفاق
إلى الله أشكو غربتى ولواعجي … *** وهل تشتكي الأقدار يومًا وأرزاق ؟
(1) بحذف الياء، وذلك مستعمل على قلة .