وقد انطلقت هذه العاطفة كثيرين على اختلاف لهجاتهم وميولهم، فمنهم من أرسلها شعرًا، ومنهم من أرسلها نثرًا، ومنهم من أرسلها ملحونًا، ومنهم من غادرت قلبه وهو خفاق لا يهتدي سبيلا، كلما حاول أن يعبر عنها، وإنما تختلف بواعث الذكريات الوطنية للقلوب عند الناس، فمنهم من يبعث فيه غناء من أغاني قومه ذكرى بلده إذا سمعه، أو شجرة من جنس الشجر الذي ينبته بلده تذكره بمجرد ما يراها، وهؤلاء الذين تبعث منهم الأغاني القومية وما في حكمها ذكريات الوطن هم الطبقة العليا التي لها إحساس شريف، وسمو عجيب، ومن الناس أيضًا من يبعثها فيه أدنى غربة، وهي الطبقة المتوسطة، ومنهم من لا يتذكر بلده إلا في مظهر من مظاهر الحزن أو الفرح، حين لا يجد من يسليه إذا كان حزينا، وحين يفقد من يشاركه في فرحه إذا كان مسرورًا، وهذه الطبقة لم يكن لها من الوفاء نحو الوطن أو البلد سوى شيء قليل، ولئن كانت العاطفة تجمع بين تلكم الطبقات كلها، فإن الطبقة التي تبعث فيها الأغاني لا صلة بينها وبين الطمع حتى يهتاج صاحبها لغرض، وأما الطبقتان الآخريان، فلكل واحدة منهما غرض، فالأولى لما تذيقها الغربة من خطوب، والثانية لو وجدت ما يسليها لنسيت جدران تلك المعاطن، وما كان لمسقط الرأس الذي له على كل واحد حقوق 268/9
269/9 واجبة، وأديبنا الكثيري الذي لم تحركه بلده سوس إلا في يوم العيد حين لم يجد من يشاركه في مسراته أو في شجونه في ثغر الجديدة هو أحق بهذه الملاحظة الأدبية التي لا شك أنه يقدرها قدرها.