إنني لم أخالطه كثيرًا، ولا وجدت الآن عندي من يكشف لي عما أريد من خفايا أخباره، وإنما استروحت كبر همته من شيئين: أحدهما حين قام مشمرًا ناهضًا بكل ما في طاقته ووسعه للكسب، ولم يكن وكلا جاثما في حفش أمه، ينتظر أن تمطر عليه السماء ذهبًا، فهو في هذا مثال حي أمام أعين الكسالى من طلبة جزولة المدقعين، ثم لا يعلمون إلا الذل في المشارطات مع أن غلب العامة السوسيين يزاحمون في البيضاء وما إليها، فيكتسبون ما يبنون به مجدًا مؤثلًا، ومكانة قعساء، فإن استثنيت الأديب ابن الحاج اليزيدي نزيل ( سلا ) وتاجرها اليوم، فإنني أحكم حكما مسمطا بأنني لم أعلم اليوم أديبًا كبيرًا له همة في هذه الناحية سوى الأديب الكثيري، وكفاه شرفا خالدًا، وفضلًا ممتازًا، أن كان ثانيا للأديب الدماميني الشهير أو ابن حوقل، فقد تقلبا في الشرق الأدنى بين بضائع تجارتهما إلى أن لفظوا نفسها الأخير، بل كان أخا الأديب ياقوت الحموي الذي خاض ما بين الزوراء، وبين ما وراء النهر حتى ذهب كذلك مكفنا في شرف الكسب مكللا بتاج هذه المهمة وبمثل هذا الإكليل، اختصت اليوم هامة الأديب الكثيري اقتفاء للأدباء المذكورين، وإن كنا نطلب الله أن يحصنه حتى لا يقع له ما وقع لبعضهم من حرفة الأدب التي أبت أن تفلت أي أديب أينما كان.
هذا هو أحد البراهانين على علو الهمة الكثيرية الأدبية، صانها الله من حرفة الأدب، وثانيهما: كونه لا يزال يمعن في أدبه ويرقي شأن فكره، ويتصل بأكبر الأدباء في الحواضر والبوادي، فأي برهان أعظم من هذا ؟ فلا الميزان ولا عد الدراهم، ولا تتبع المدينين، ولا هم الأداء للدائنين، حالت دون مناجاة ربة الشعر، فلتحي هذه الهمة العزوف، وليبق ذكرها في الخالدين، فإن لم تكن هذه الهمة الكبيرة، فقل بربك كيف تكون بعد الهمم الكبيرة في هذا الوجود ؟
أدبياته