وعمدا ذكرت هذه الناحية، لأن اشتغاله بالمصالح العامة، مع قيامه بمصالحه الخاصة، أظهر دليل على عفته وزهده، وعلو همته، وإن من تمام مروءة الإنسان استصلاحه لماله، ويا لله، لقد دفعنا إلى زمن ساد فيه الجهل بمدلولات الألفاظ، حتى ليحسب الجهال أن الزهد يخلو منه من استصلح ماله، ليستعف به عما في أيدي الناس، مع أن الزهد الحقيقي قلما يتم إلا بذلك لغالب الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
حادي عشر:
إنه رضي الله عنه عاض بالنواجذ على السنة، قامع للبدع وأهلها، لا تأخذه في ردها لومة لائم، فيرد على صاحب بدعة أيا كان، فلا تلين له قناة في ذلك وإن عمت البلوى، ووجد له بين كلام الفقهاء دليل ما، ويدل 20/7
21/7 على هذه الجبلة منه ما جرى بينه وبين الأستاذ سيدي محمد بن إبراهيم البعقيلي في تقبيل اليد، ونفرته من التنازل لذلك تنازلا ما، حتى إن صاحبه البعقيلي إذا لم ينكف عن تقبيل اليد ولفظة ( سيدي ) فإنه سينقطع التعارف بينهما، وقد أصم أذنيه عما يقوله ولده إبراهيم، والعجيب منه إنه ليس بإمعة، فقد رد ما أتى به شيخه التملي، ولم يبال بكونه شيخه، لأن لسان حاله يقول ما قاله سقراط:
( أحب الحق وأفلاطون ما اجتمعا، وإن افترقا كان الحق أحب إلي منه )
وهذا لعمري خلق الكمال الذين يعرفون الرجال بالحق، ولا يعرفون الحق بالرجال، فوا حر قلباه من قوم إذا أتيتهم بألف دليل ودليل، ينطحون كل ذلك بـ: قال شيخنا، أو عمل شيخنا، وقدس الله عظام ابن دقيق العيد الذي يقول في هذا المعنى:
من عذيري من معشر جهلوا الحـ…***…ــق وحادوا عن طرقه المستقيمة
لا يرون الإنسان قد نال حقا *** وصلاحا حتى يكون بهيمة
ومقصودنا أن هذا المبدأ الشريف الذي عليه سيدي محمد بن إبراهيم الشيخ رضي الله عنه، هو مبادئ رجال أفذاذ،قلما تجود بهم أجيال متوالية.