ولى الله الشيخ العارف بالله الإمام العالم المتحقق المتفنن الرباني الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة، المشفع لعلم الظاهر بعلم الباطن، التقي الصالح الزاهد الورع، وحيد دهره، وفريد أهل عصره، وشيخ وقته وأوانه، الذي إليه المنفزع في النوازل المشكلات المهمات العلميات والدينيات رضي الله عنه، ونفعنا ببركاته، وجازاه عنا وعن المسلمين خيرا، ما رأت عيناي قط، ولا سمعت أذناي في الناس مثله نجدة وتصلبا في الحق، وإنصافا وحرصا على الدين، واجتهادا فيه، واستغراقا لأوقاته في العبادة والمواظبة عليها، مع قيام الليل وكثرة الأوراد، وخشية الله وخوفه ومراقبته، يجمع إلى ذلك صبرا واحتمالا، وحياء وصدق لهجة، وتواضعا وسخاء، وإيثارا وقناعة وغنى نفس، وشدة في اتباع السنة المحمدية، والتخلق بخلقها في حركاته وسكناته، وأخذه وعطائه، وغيظه وعدم تملك النفس عند رؤية مخالفة السنة، وإذا سمع عن أحد الابتداع بشيء ما في الدين أيا كان، نهاه ولا يبالي به، ولا يخاف في الله لومة لائم، تبحر في العلوم المعقولة والمنقولة، وبلغ فيها مبلغا لم يصلا إليه أحد في بلاد جزولة، ونصح الخاصة والعامة، مع حب الخير لجميع المسلمين، ولد رحمه الله ببلده ( فم الحصن ) من بلاد تاهلة، ونشأ فيها بين أبويه وإخوته، ثم جال في بلاد جزولة للتعلم، ودار على من بها من الطلبة، للاستفادة والقراءة عليهم، فكان مدار قراءته وأخذه للعلوم الشرعية على شيخه الفقيه المتفنن الحافظ الفهامة الحجة أبي علي الحسن بن عثمان التملي الجزولي رضي الله عنه، لازمه زمنا طويلا حتى تفقه به وفتح الله عليه، وقد كانت له رحلة في طلب العلم إلى بلاد ( درعة ) في رفقة، وأدركهم العطش في مفازة، واشتد عليهم، فعدل بقليل عن الطريق، فوجد ماء قليلا عذبا بارد أعلى صفاة، وشرب وصاح بالناس، فشربوا منه كلهم حتى رووا، وبقى كما كان، فعدوا ذلك كرامة له رضي الله عنه وعظموه، فلما رجع تصدر للتدريس والإقراء