وما انصرفت عن مجلس شيخنا الهوزيوي حتى دعاني إلى خلوة، فناجاني فيها وقال لي: كفاك عن حضور المجلس بحمد الله، وعليك بالحفظ، وحَضَّني على حفظ المختصر في مدرسة (أبي الندر) في (بني حماد) لما صرفني إليها، وقد كان إذ كنت عنده يأمر تلاميذه أن يقرءوا الخلاصة عليَّ، وكان رحمه الله من إنصافه ومن بره بنا يرغبهم في مذكراتي، حتى إنه قام يومًا من مجلس الحديث لحاجة قبل انقضاء المجلس، فكلفني أن أجلس على فراشه فأطعتُه، فرأيت أبصار بعض الطلبة ظهر منها ما لم يسلم منه إنسان إلا من عصمه الله، والحمد لله رب العالمين، وأما الإجازة فلم أذكرْها له ولا لغيره لعلمي أني لست من أهلها، والحمد لله على كل حال.)
ذلك ما تفضل به الأستاذ عبد الرحمن رحمه الله، فأعطانا بيانًا كاشفًا عمن أخذ عنهم، وما أخذه من الكتب، وفي أي محلات كان يأخذ، فتفضل على التاريخ بما يضن به كثير من أمثاله، ومن أعظم الفوائد التي استفدناها مما ذُكِرَ تلك القائمةُ القيمة للكتب التي كانت تدرس إذ ذاك، فإن بعضَها قد انطوى في (جزولة) في هذه الأَعصار، ولم يُعرف في مجالس التدريس، ولولا أنه بَيَّن لنا ذلك لظننا أن هذه الكتب القليلة التي أدركنا دراستها في مدارسنا بسُوس هي وحدها كل ما يدرس قبل هذه الحِقْبة، ولكن جزى الله الأستاذ عبد الرحمان، فإنه خُلِقَ للإفادة في حياته وبعد وفاته.
أشياخه:
درج المترجم في عصر لا تزال فيه المعارف منتشرة، وقد تولى زعامتها أصحاب الحضيكي وأمثالُهم ممن يأخذون إذ ذاك عن التامكروتيين والسجلماسيين والفاسيين والمصريين، فوجد طِلْبَتَه في المدارس السوسية عن كَثَب، فمال إلى الكأس يستشفها إلى الثُّمالة، وهو القائل: 23/6
شَفَى الْغَلِيلَ لَنَا أَقْطَابُ بَلْدَتِنَا ... عَنِ التَّطَلُّعِ لِلأَقْطَابِ مِنْ بُعْدِ
من قطعة كتب بها إلى أخيه الحسن لما طلب منه أن يسافر إلى الشيخ الكنتي.