تكونت لي في فاس فكرة دينية فرقت بها ما بين الخرافات المموهة، وبين الروحانيات الربانية, كما نبتت مني غيرة وطنية نسيت بها نفسي ومصالحي الشخصية, فأعددت نفسي فداء لديني ولوطني ولأمتي التي هي أمة العرب والإسلام جمعاء وأنا بين هاتين: الفكرة والغيرة أسبح في آداب حية طلع بها هذا العصر الجديد, فصرت أقرأ من نثر المنفلوطي وفريد وجدي ومحمد عبده وأضرابهم، ومن شعر شوقي وحافظ ومطران وأمثالهم ما عرفت به أن الذي كنت أسبح فيه منذ صغري ليس إلا ضحضاحا كدرا, لا يبرد جسدا, ولا يفثأ غلة, ولا يقضى على لهفة.
ثم لما أبت من فاس. وقد ألممت بالرباط. حيث احتقبت أيضا علوما وفهوما وأنظارا وبحوثا, لم أقع عليها إلا في الرباط وفي مشايخ الرباط. حللت بالحمراء وقد ألقيت فيها مرساتي، وأنوي أن أقضي الواجب على لديني ولوطني ولشعبي, ما بين تلميذ يهذب, وبين درس إرشاد يلقى, وأنا في جانب ذلك أناغي اليراع فيما عسى أن يرفع من شأن هذه الأمة, من إحياء ما اندثر من آثار ماضيها، ومن المحافظة على العربية الفصحى التي أراها إذ ذاك في انهيار, ففي هذه الميادين الثلاثة قضيت أزمانا, تكشفت عن أعمال كان فضل الله على فيها عظيما, ومن بينها اشتغالي بجمع مؤلف حول (العصر الذهبي لمراكش) يوم كانت عاصمة المرابطين والموحدين، أعددت له من المراجع ما لو تم بها لكانـ فيما كنت أقدرـ صنو (عصر المأمون) حجما وأسلوبا وإفادة وروعة، لأنني وجدت من ذلك مكان القول ذا سعة, ولكن جاء النفي بغتة, فذهبت تلك المراجع مع ما كتب من الأصل إلى سلة المهملات.
ها أنا ذا الآن أنفى إلى إلغ, إلى مسقط رأسي, حيث أمنع من أن أتصل بالناس, فوجدتني فجأة أمام بيئة كنت نسيتها، فخاطبت من هناك بهذه القصيدة التي ألممت فيها ببعض لعب الولدان الإلغيين, وبذكريات أول شبابي, أتمطق بها الآن بكل حلاوة: