أما بعد فقد أولعت منذ عرفت قبيلي من دبيري, وميزت يميني من شمالي. بالتاريخ والآدب, وبمطالعة كتبهما فلا أظل ولا أبيت منذ كحلتني العربية بإثمدها، وأذاقتني حلاوة معانيها الطلية فأنشتني بخمرتها, إلا بين كتاب أبتدئه وآخر أختتمه, منذ بكرت إلى مطالعة كتاب (ألف ليلة وليلة) في فجر حياتي, إذ كان أول كتاب طالعته وأنا ابن نحو عشر سنين, فأخذت بحكاياته التي تدل على ما لمدنية العرب في بغداد ومصر وما إليهما من أناقة ولطف وحسن ذوق, ورفاهية عيش، ثم لما زدت قدما, طالعت مثل: المستطرف وحياة الحيوان للدميري وابن خلكان، ومروج الذهب، ونفح الطيب، وقلائد العقيان، والاستقصاء، ونزهة الحادي، والصفوةـ وهي الكتب التي طالعتها في حياتي الأولى في إلغ وما إلى إلغ من إفران وإغشانـ ثم لما كلت تراب الأرض بقدم الهجرة (1) ووجدت خزائن تطفح بالكتب الكبرى, أقبلت بنهم الذي لا يشبع على التهام كل ما تقع عليه عيني كيفما كان الكتاب, ما دام يمت إلى الآدب والتاريخ، فلا أرد أي كتاب سنح, ولسان حالي ينشد قول ابن المعتز:
قلبي وثاب إلى ذا وذا *** ليس يري شيئًا فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي *** ويرحم القبح فيهواه
ثم لما حللت بفاس أتى الوادي فطم على القرى (2) , فبدلت أخلاقا غير التي عهدت من نفسي قبل, وأنا في مراكش وأحواز مراكش، فقد تلقحت 14/1
15/1 في جو فاس بما لو لم أتلقح به لما كانت لي فكرة، ولا تحركت بي همة, ولا نزعت بي نفس عزوف تقول بملء فيها:
لي همة عالية فذة *** طموحها ليس له منتهى
لو ملكت كل الثرى لاعتلت *** إلى امتلاك سدرة المنتهى
(1) لا يدرك المرء في أوطانه شرفا *** حتى يكيل تراب الأرض بالقدم
(2) مثل عربي، القرى كغنى: مسيل الماء من الوادي؛ وطم الماء على الشيء: إذا غمره.