هذه والدتي، أذكرها لوصف تعليم القرآن، فقد كانت أول معلمة من النساء في إلغ، ومهذبة البنات في دار والدي، فبها انتشر ما انتشر من ذلك فيهن، أفيجمل أن نتخطاها لأنها امرأة، ومتى عهد منا احتقار المرأة إلى هذا الحد، أم يجمل بي أن أتنكب ذكرها لئلا أسمع ما كان سمعه بعض أجلاء المؤلفين المعاصرين، وقد ذكر والدته في أثناء مؤلف له، من أنه إنما يريد أن يكون نتيجة صادقة لمقدمات صادقة، وإن له نسبا كما أن له حسبا، فترك ما يستحقه التاريخ - خصوصا تاريخ الأسر - لأمثال هذه الأوهام مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل، فليست تلك الطريقة بطريق الإنصاف، ما دام الإنسان لا يتنفج ولا يتزيد ولا يتشبع بما لم يكن، فإن من يترك الحقائق خوف هذا، ومن يتزيد فيها حتى يفسدها سيان في نظر المنصفين، على أن للإنسان الذي يقف موقف المدافع الذي يدافع حملة بحملة، أن يذكر أمثال هؤلاء الذين يسرعون بالإنكار على من يخلدون أعمال والديهم قضية الربيع وزير المنصور العباسي، إذ أنكر على إنسان رآه أكثر من الترحم على والديه بين يدي المنصور، فقال له الآخر: إنك معذور، لأنك لم تذق حلاوة الوالدين، وكان الربيع يزن بأنه لغية، وهل ينكر ذكر الوالدين بخير إلا أخوان الربيع هذا ؟
أول ما أعلنه عن والدتي هذه: أنها هي التي سمعت منها بادئ ذي بدء تمجيد العلم وأهله، وإكبار تلك الوجهة، فكان كل مناها أن تراني يوما ما ممن تطلعوا من تلك الثنية، وممن يداعبون الأقلام، ويناغون الدفاتر، فبذلك كانت تناغيني، وذلك هو محور دعواتها حولي أفأكفر لها هذه النعمة اليوم ومن يؤنسني إلا كلمات من العلوم أزاولها تمتقا أستحلي لوكها بذوقي .