كان سيدي أحمد بن باها الفقير - وهم اسم هذا السيد - لم يرزق هو ولا زوجته أولادا، إلا بنتا واحدة، تزوجها العم بلقاسم، فبقيا منفردين .ثم اتصلا معا بالشيخ، فكانا كفرسي رهان في العبادة، وفي إقامة شعائر الدين وفي خدمة الزاوية، وكانت قرينته هذه تسمى - لقبا - تبلا أوعليت - وكانت مثله في المحافظة على صلاة الجماعة، وفي الزهد وفي الأخلاق، وكانت عاقلة تعرف ما تقول وهي التي تنقل عن الشيخ كلاما كثيرا، وتذكر أن الشيخ دخل عليها مرة وهي مع نسوة يذكرن مؤذنا صوابيا، مات وشيكا في الزاوية، وكان من أعبد الفقراء وأصبرهم، فصرن يقلن هنيئا له الجنة بما عمل، قالت: فخاصمنا الشيخ وقال: لا تتجرأن فتدخلن بين الله وبين عبيده، فإنه لا يطلع على ما بين الله وبين عبيده سواه، ولكن ادعون له واطلبن من الله أن يغفر له
قلت: ذكرتني هذه القصة: قضية أم عطية فيما قالت في ابن مظعون وما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم , وهذا هو مشرب الشيخ المشهور عنه في أمثال هذه المواقف. 19/3
كنت أعرف ذلك السيد وأنا صغير، ثم اتصلت بالمدارس، فكنت أجده على حالته متى رجعت، حتى توفي سنة 1335 هـ فكان دائما هو وقرينته التي لحقت به وفاة نصب عيني، وما كنت أعرف من هو، وربما كنت أحسبه من مرابطينا، ولكنني بعد أن انفتحت عيناي، وأرهفت أذناي، علمت أنه من أسرة أخرى تسمى ( آل الفقير ) تنتسب لسيدي أحمد الفقير جدها الأعلى وأنه مدفون في المقبرة الدوكاديرية القديمة، وعليه بيت، وإزاءه حفيده المذكور، وأنه كان رجلا صالحا، سكن في ( إلغ ) قبل أن بنتشر فيها مرابطونا .
إذن، كان هنا سيد آخر صالح يسمى أحمد مثل اسم جدنا سيدي أحمد بن عبد الله، فلنفتش إذن عن ترجمته، لندرك ما يمكن أن يدرك عن أمثاله البعيدين القدماء، فإن لم تدرك الحقيقة كما هي، فإننا نقاربها على كل حال .