الصفحة 1078 من 9223

أذكر أنني وقريني سيدي محمد بن أحمد بن الحاج إبراهيم الإيغشاني - الآتي ذكره - جئنا يوما من المدرسة ( التانكرية ) إلى إلغ، ونحن مترادفان على بغلة، وكان الجو يسيل قرا، واليوم يوم دجن ((1) ) ، فمررنا في وسط النهار بأصحاب لأسرتنا بأيت موسى لعلنا نستريح عندهم، فلم نلقهم، فذهبنا قدما ثم لحقنا صاحب الترجمة قرب قريته، فاقترح علينا أن نمر به، فذهبنا ونحن في ذلك من الراغبين، فدخلنا عنده بعد العصر، فجلسنا في بيت داخلي، فكان رجل إيغشاني في رفقتنا يدخل ويخرج ويقول: ها هو ذا المطر سينهمر، وأنا وصاحبي ننكمش، ونتمنى أن لو اقترح علينا رب المثوى البيات، فصار يقول للرجل كلما قال لنا ذلك، لا تخوف التلميذين، ولا تزعج الصبيين، فإنهما لمشتاقان إلى أمهاتهما، كما أن أمهاتهما الآن في انتظار أن يروحا عليهن يقول ذلك ونحن نأكل خبزا وسمنا لذيذين، وهو يقيم لنا الآتاى بعجلة، لأن الوقت وقت الأصيل، فملت بعيني، فرأيت كتابا ففتحته، فإذا به جزء مطبوع من الأغاني، فاستعرته منه، وكان ذلك أول ما رأيته، ثم خرجنا من عنده والمطر كأفواه القرب حتى لا نستطيع أن نترادف على البغلة، فصرنا نختبط في المياه وفي الظلمة وقد التحقنا بالدياجير بعد المغرب، وما أدراك ما دياجير فصل الشتاء، والليل ممطر، والشقة بعيدة، ثم لم نصل إلى دارنا بإلغ، إلا بعد أن مرت العشاء، ونام بعض الناس، وقد كنا إذ ذاك ونحن صبية ربما نحمل ذلك الذي عاملنا به الأستاذ على محمل غير محمود، ولكنني الآن - وقد ألقت علي الكهولة دروسها - أقدر أن أحمل ذلك كله على ظاهره، وأن لا أتهم الأستاذ رحمه الله ببخل في ذلك .

هذه هي المرة التي رأيت فيها الأستاذ، ثم لم أنشب أن التحقت بأحواز الحمراء فما وراءها، فتوفي الأستاذ، ولم أره بعد رحمه الله .

(1) 2 ) الدجن بفتح فسكون: الغيم المظلم المطبق، ويطلق أيضا على المطر الكثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت