فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 362

فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجب سائرها ولو أوجب سائرها ما يوجبه بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله والثاني أن الجوهر يصح قيامه بذاته فلو كان العقل جوهر لجاز أن يكون عقل بغير عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فامتنع بهذين أن يكون العقل جوهرا. وقال آخرون: العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فبعيد من الصواب من وجه واحد وهو أن الإدراك من صفات الحي والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون متلذذا أو آلما أو مشتهيا. وقال آخرون من المتكلمين: العقل هو جملة علوم ضرورية وهذا الحد غير محصور لما تضمنه من الإجمال وتناوله من الاحتمال والحد إنما هو بيان المحدود بما ينفى عنه الإجمال والاحتمال. وقال آخرون وهو القول الصحيح: إن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية وذلك نوعان أحدهما ما وقع عن درك الحواس والثاني ما كان مبتدأ في النفوس. فأما ما كان واقعا عن درك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر والأصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم والأجسام المدركة باللمس فإذا كان الانسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء لعلم ثبت له هذا النوع من العلم لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بهما ويعلم لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم.

وأما ما كان مبتدأ في النفوس فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المحال اجتماع الضدين وأن الواحد أقل من الاثنين وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة حاله وكمال عقله فإذا صار عالما بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل. وسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت كما يمنع العقال الناقة من الشرود إذا نفرت ولذلك قال عامر بن عبد القيس: إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل وقد جاءت السنة بما يؤيد هذا القول في العقل وهو ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت