فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 362

فضلهم وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا بالتمييز واشتهروا بالتعيين فصاروا مقصودين بإشارة المتعنتين ملحوظين بإيماء الشامتين والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس فلم يلحظ المحروم منهم بطرف شامت ولا قصد المجدود منهم بإشارة عانت فلذلك ظن الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختصان بالعلم والعقل دون الجهل والحمق ولو فتشت أحوال العلماء والعقلاء مع قلتهم لوجدت الاقبال في أكثرهم ولو اختبرت أمور الجهال والحمقى مع كثرتهم لوجدت الحرمان في أكثرهم وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظا مشتهرا لأن حظه عجب وإقباله مستغرب كما أن حرمان العاقل العالم غريب وإقلاله عجيب. ولم تزل الناس على سالف الدهور من ذلك متعجبين وبه معتبرين حتى قيل لبزرجمهر ما أعجب الأشياء فقال نجح الجاهل وإكداء العاقل لكن الرزق بالحظ والجد لا بالعلم والعقل حكمة منه تعالى يدل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته. وقد قالت الحكماء: لو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم فنظمه أبو تمام الطائي فقال:

ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى من دهره وهو عالم

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم

وقال كعب بن زهير بن أبي سلمى:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت