ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشيء ولّى فأدبرا
وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة والنوازل غائرة والحوادث عارضة والنوائب راكضة فلا يعذر فيها إلّا عليم ولا يستنقذه منها إلّا سليم وقد قال عدي بن حاتم:
كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
فإذا وجد الكريم مصابا بحوادث دهره حثه الكرم وشكر النعم على الإسعاف فيها بما استطاع سبيلا إليه ووجد قدرة عليه. روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «خير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله» وقيل لبعض الحكماء:
هل شيء خير من الذهب والفضة قال: معطيها والإسعاف في النوائب نوعان: واجب وتبرع. فأما الواجب فيما اختص بثلاثة أصناف وهم: الأهل والإخوان والجيران أما الأهل فلمماسة الرحم وتعاطف النسب وقد قيل لم يسد من احتاج أهله إلى غيره. وقال حسان بن ثابت:
وإن امرأ نال المنى لم ينل به ... قريبا ولا ذا حاجة لزهيد
وإن امرأ عادى الرجال على الغنى ... ولم يسأل اللّه الغنى الحسود
وأما الإخوان فلمستحكم الود ومتأكد العهد. وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: صدق اللسان ومؤاساة الإخوان وذكر اللّه تعالى في كل مكان. وقال بعض حكماء الفرس: صفة الصديق أن يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند النكبة ويحفظك عند المغيب. ورأى بعض الحكماء رجلين يصطحبان لا يفترقان فسأل عنهما فقيل هما صديقان فقال: ما بال أحدهما فقير والآخر غني. وأما الجار فلدنوّ داره واتصال مزاره قال علي كرم اللّه وجهه: ليس حسن الجوار كف الأذى بل الصبر على الأذى. وقال بعض الحكماء: من أجار جاره أعانه اللّه وأجاره. وقال بعض البلغاء: من أحسن إلى جاره فقد دل على حسن نجاره. وقال بعض الشعراء:
وللجار حق فاحترز من أذاته ... وما خير جار لم يزل لك مؤذيا