ولئن كان الدين رقا فهو أسهل من رق الافضال. وقد روي عن علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء قيل وما في خفة الرداء من البقاء قال: قلة الدين فإن أعوزه ذلك إلّا استمناحا فهو الرق المذل ولذلك قيل: لا مروءة لمقل وقال بعض الحكماء: من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته.
والذي يتماسك به الباقي من مروءة الراغبين واليسير التافه من صيانة السائلين وإن لم يبق لذي رغبة مروءة ولا لسائل تصوّن أربعة أمور هي جهد المضطر: أحدها أن يتجافى ضرع السائلين وأبهة المستقلين فيذل بالضرع ويحرم بالأبهة وليكن من التجمل على ما يقتضيه حال مثله من ذوي الحاجات. وقد قيل لبعض الحكماء متى يفحش زوال النعم قال: إذا زال معها التجمل. وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن الجهم:
هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأحسن أخلاق الرجال التفضل
ولا عار إن زالت عن الحرّ نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمل
والثاني أن يقتصر في السؤال على مادعته إليه الضرورة وقادته إليه الحاجة ولا يجعل ذلك ذريعة إلى الاغتنام فيحرم باغتنامه ولا يعذر في ضرورته. وقد قال بعض الحكماء: من ألف المسألة ألفه المنع. والثالث أن يعذر في المنع ويكشر على الإجابة فإنه إن منع فعما لا يملك وإن أجيب فإلى ما لا يستحق. فقد قال النمر بن تولب:
لا تغضبن على امرىء في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب
والرابع أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلا وكان النجح عنده مأمولا فإن ذوي المكنة كثير والمعين منهم قليل. ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «الخير كثير وقليل فاعله» . والمرجوّ للإجابة من تكاملت فيه خصالها وهي