فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 362

استوى حالتاه قبل الإغضاب وبعده فقد عدم من فضائل النفس الشجاعة والأنفة والحمية والغيرة والدفاع والأخذ بالثأر لأنها خصال مركبة من الغضب فإذا عدمها الإنسان هان بها ولم يكن لباقي فضائله في النفوس موضع ولا لوفور حلمه في القلوب موقع. وقد قال المنصور: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة. وقال بعض الحكماء: العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم. وقال عمرو بن العاص: أكرموا سفهاءكم فإنهم يقونكم العار والشنار. وقال مصعب بن الزبير: ما قل سفهاء قوم إلّا ذلوا. وقال أبو تمام الطائي:

والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السفيه به بألف حليم

وليس هذا القول إغراء بتحكم الغضب والإنقياد إليه عند حدوث ما يغضب فيكسب بالإنقياد للغضب من الرذائل أكثر مما يكسبه عدم الغضب من الفضائل ولكن اذا ثار به الغضب عند هجوم ما يغضبه كف سورته بحزمه وأطفأ ثائرته بحلمه ووكل من استحق المقابلة إلى غير ولا يعدم مسيء متكافئا كما لن يعدم محسن مجازيا. والعرب تقول: دخل بيتا ما خرج منه أي ان خرج منه خير دخله خير وإن خرج منه شر دخله شر. وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم:

إذا أمن الجهال جهلك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم

فعمّ عليه الحلم والجهل وألقه ... بمنزلة بين العداوة والسلم

إذا أنت جاريت السفيه كما جرى ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم

ولا تعضبن عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم

فيرجوك تارات ويخشاك تارة ... ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت