استحسانه دليل موجب كاصطلاحهم على مواضعات الخطاب واتفاقهم على هيئات اللباس حتى أن الأنسان الآن إذا تجاوز ما اتفقوا عليه منها صار مجانبا للأدب مستوجبا للذم لأن فراق المألوف في العادة ومجانبة ما صار متفقا عليه بالمواضعة مفض إلى استحقاق الذم بالعقل ما لم يكن لمخالفته علة ظاهرة ومعنى حادث وقد كان جائزا في العقل أن يوضع ذلك على غير ما اتفقوا عليه فيرونه حسنا ويرون ما سواه قبيحا فصار هذا مشاركا لما وجب بالعقل من حيث توجه الذم على تاركه ومخالفا له من حيث انه كان جائزا في العقل أن يوضع على خلافه. وأما أدب الرياضة والإستصلاح فهو ما كان محمولا على حال لا يجوز في العقل أن يكون بخلافها ولا أن تختلف العقلاء في صلاحها وفسادها وما كان كذلك فتعليله بالعقل مستنبط ووضوح صحته بالدليل مرتبط وللنفس على ما يأتي من ذلك شاهد ألهمها اللّه تعالى إرشادا لها قال اللّه تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: بين لها ما تأتى من الخير وتذر من الشر وسنذكر تعليل كل شيء في موضعه فإنه أولى به وأحق.
فأول مقدّمات أدب الرياضة والاستصلاح أن لا يسبق إلى حسن الظن بنفسه فيخفى عنه مذموم شيمه ومساوىء أخلاقه لأن النفس بالشهوات آمرة وعن الرشد زاجرة. وقد قال اللّه تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ثم أهلك ثم عيالك» ودعت اعرابية لرجل فقالت: كبت اللّه كل عدوّ لك إلّا نفسك فأخذه بعض الشعراء فقال:
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي
فإذا كانت النفس كذلك فحسن الظن بها ذريعة إلى تحكيمها وتحكيمها داع إلى سلاطتها وفساد الأخلاق بها فإذا صرف حسن الظن عنها وتوسمها بما هي عليه من التسويف والمكر فاز بطاعتها وانحاز عن معصيتها. وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: العاجز من عجز من