الهضم أواخره وَيكثر مِنْهُ ويثقل على الْمعدة وليخط بعد الطَّعَام مائَة خطْوَة ويتكئ على الْيَسَار ويجتنب بعد الطَّعَام الِاغْتِسَال وَالرُّكُوب وَأكل الْحُبُوب المقلوة.
قَالَ: وَأفضل الْغذَاء مَا كَانَ دسمًا خَفِيفا مسخنًا لِأَن الدسم يسمن الْجِسْم وَيُقَوِّي الْحَواس وَالطَّعَام السخن الْخَفِيف يسْرع الاستمراء ويبطئ الْهَرم وَالطَّعَام السخن يزِيد فِي نَار الْمعدة.
قَالَ أَبُو هِلَال الْحِمصِي: الطَّعَام الْحَافِظ للصِّحَّة لَا يَنْبَغِي أَن يكون بَارِدًا بِالْفِعْلِ بِقدر مَا يُطْفِئ حرارة الْمعدة وَلَا حارًا فيلهب ويهيج بخارًا ويطفو وخاصة فِي الصَّيف وَلَا غليظًا يتعب الْمعدة وَيطول مكثه وَلَا رَقِيقا فَلَا يَغْدُو بِأَن يفْسد وَلَكِن لتكن كميته بِقدر مَا تقوى الطبيعة عَلَيْهِ قُوَّة كَامِلَة فَإِنَّهُ زَاد على هَذَا صَار مَا يَنْبَغِي أَن يكون زَائِدا فِي الْغذَاء زَائِدا فِي الفضول وَنقص هضمه على التَّمام فتراكم يَوْمًا يَوْمًا وَيكثر فتضعف الْقُوَّة بِقدر الْغذَاء لِأَن الفضول لَيست غذَاء وتلتزم تِلْكَ الفضول من حرارة الْجوف وتلتصق فِي المجاري فتكثر من ذَلِك السدد وفنون الأورام والعفونات الَّتِي تورث فنون الحميات والأمراض وليقدم الألطف والأسرع انحدارًا.
قَالَ: وَيجب أَن يسْتَعْمل السّكُون بعد الْأكل لِأَن الطبيعة إِذا لم تسكن بعد الْغذَاء ألف ي كَانَت كمن يعْمل عملا وَهُوَ قلق مَشْغُول بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الطبيعة فَإِنَّهَا إِذا حركت بعد الْغذَاء شَيْئا من حركات الْبدن وَالنَّفس مثل الغيظ وَالْغَضَب والهم فسد الطَّعَام وَأخرجه نيًا قبل تمكن الْمعدة مِنْهُ وَكَانَ مَا مِنْهُ فِي الكبد نيا غليظًا فَلَا ينفذ نفوذًا سهلًا فَتتْرك الْأَعْضَاء التغذي بِهِ وَيكثر السدد والعفونات فَلذَلِك يَنْبَغِي النّوم أَو السّكُون عَن جَمِيع الحركات بعد الطَّعَام لتتمكن الطبيعة من جودة هضمه.
قَالَ: فَيجب أَن تقسم مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من الْغذَاء فِي مرَّتَيْنِ وَتجْعَل ثلثه فِي الْغذَاء وثلثيه فِي الْعشَاء لِأَن ذَلِك أولى بِأَن يخف على الطبيعة وتجيد هضمه على الكبد والأعضاء هضمًا فِي الْغَايَة وتستولي عَلَيْهِ وَليكن أَقَله وأخفه لوقت الْغَدَاء لتعتصم بِهِ الْقُوَّة فَقَط وَلَا تهيج الْحَرَارَة ويخف على الْمعدة وَأَكْثَره وأغلظه للعشاء مَعَ أَنه لَا يجب أَن يكون مَا يُؤْخَذ مِنْهُ فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا إِلَّا)
قدر مَا يكون إِذا جمعا غير ثقيلين على الطبيعة وَلَا يذهب فِي الْمَرَّتَيْنِ إِلَى الاستكثار مِنْهُ لَكِن يذهب إِلَى تفريقه وَإِن كَانَ مِقْدَارًا قصدا وَالْوَقْت مَا بَين الْغَدَاء وَالْعشَاء ثَمَان سَاعَات وَمَا بَين وَلَا يَنْبَغِي أَن يكثر أَصْنَاف اللذيذة الشهية لِأَنَّهَا إِذا أَكثر مِنْهَا أُصِيب مِنْهَا ثَلَاثَة أَمْثَال الْحَاجة فِي وَقت الْأكل لاختلافها وصنوفها وَكَثْرَة لذاتها وتهيج الشَّهْوَة عَلَيْهَا ثمَّ تثقل بعد ذَلِك على الطبيعة ويتخم تخمًا عَظِيمَة فَإِن وَقع ذَلِك فليترك الْعشَاء ويلطف التَّدْبِير بعده.
وَلَا يَنْبَغِي أَن يشرب الشَّرَاب حَتَّى يتَحَلَّل الطَّعَام وَينزل عَن الْمعدة ويقل الشَّرَاب إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ على الطَّعَام فَإِنَّهُ يُورث قراقر ونفخًا وجشاء لِأَن المَاء يمْنَع الْمعدة أَن تحتوي