فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 776

سادسا: الموقف الشرعي من العولمة يرفض قطاع عريض من البشر العولمة كما سلف، ولكن رفضه من قبل المسلمين أشد، وليس ذلك للتصور الذي يحاول أن يرسمه بعض الغربيين، فبعض مثقفيهم نمى إلى علمه أن الله هو الذي يشرع لعباده في نظر المسلمين فقرر متوهمًا أنه"لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون" [1] ، وردّد قوله هذا (لوي غارديه) فقال:"اللَّه هو الشارع بامتياز" [2] .ولاشك أن المسلمين يؤمنون بأن التشريع من خصائص الربوبية أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:21] ، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26] ، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله:"ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله" [3] .ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن المقصود بهذا كل تشريع يتعبد به الناس، ولهذا قال (من الدين) ، فكل ما شرعه الله دينًا لا تجوز مخالفته، وكل تشريع في الدين بغير دليل باطل يرد ولا يقبل (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ) [4] ، ولا يعني هذا المنع من وضع قوانين تنظم الأمور الدنيوية والحياتية وتحكم الوسائل وفقًا للشرع فيما سُكت عن النص عليه، فضلًا عن عد ذلك مصادمًا لتشريع الله كما قالت الكنيسة! ولكن يجب أن تكون تلك القوانين والنظم تحت إطار تلك التشريعات الربانية والموجهات العامة والخاصة، وهذا ما فهمه من أنزل عليهم الوحي، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أشد هذه الأمة تمسكًا بما جاء به، ففي تاريخنا نجد أن أول من دون الدواوين، وجعلها على الطريقة الفارسية, لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، وأول من استحدث التأريخ الهجري، وأول من وضع وزارة للمالية (بيتًا للمال) ، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فالشارع الحكيم وضع أحكامًا عامة وخاصة في كثير من الأمور الحياتية الدنيوية، وأوكل مهمة سن الآليات التنفيذية والقضايا التنظيمية إلى البشر، بحسب ما يتوفر لهم من وسائل قادتهم إليها مبتكرات عصرهم، ما لم تخالف الشرع، وفي صحيح مسلم عن عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) ) [5] .

فلم يمنع الإسلام فيما يتعلق بأمور الدنيا وتنظيم المعاش من سن تشريعات ليست من الدين ولكنها تنظم أمر المعاش، شريطة أن تكون خاضعة للتشريعات الإلهية العامة والخاصة لا تناقضها، تقود إلى العمل بها لا تعارضها.

(1) انظر (( المذاهب النقدية ) ) (ص71) .

(2) انظر (( المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية ) ) (104، 105) .

(3) (( الحداثة ) ) (269، 270) .

(4) (( الحداثة ) ) (269، 270) . انظر (( الحداثة في منظور إيماني ) ) (ص79) .

(5) انظر (( الحداثة في منظور إيماني ) ) (81,80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت