فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 153

وتمضي الأيام لتُحقق نبوءةَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتدرك الوفاةُ أبا ذر في الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامَه: إذا مِت فاغسلاني وكفّناني، ثم احملاني، فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم، فقولوا: هذا أبو ذر.

فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب من أهل الكوفة، وفيهم ابن مسعود، فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره [أي من إسراعهم إليه] .

فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي، ويقول: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده ) ).

فنزل ابن مسعود فولِيَ دفْنه. رضي الله عنهما. [1]

وفي رواية أن أم ذر بكت لما حضرته الوفاة، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: وما لي لا أبكي، وأنت تموت بفلاة من الأرض، ولا يدَ لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعُك، فأكفِنك فيه؟

قال: فلا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لنفر من أصحابه وأنا فيهم: (( ليموتَن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المؤمنين ) )، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذَبت ولا كُذِبت. [2]

لقد بشرها - رضي الله عنه - بمقدَم من يعينها على دفنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال متنبئًا عن ذلك الذي يموت بفلاة بأنه (( يشهده عصابة من المؤمنين ) ).

وجزْمُ أبي ذر أنه ذلك الرجل، لأن الباقين ممن شهدوا هذا القول قد ماتوا في قرية أو جماعة، ولم يبق إلا أبو ذر، وهو الذي حقق ما أخبر عنه محمد - صلى الله عليه وسلم -.

فمن ذا الذي أخبر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بموت أبي ذر وحيدًا؟ ومن الذي أخبره بمقدم جماعة من المؤمنين يتولون تجهيزه ودفنه؟ إنه عالم الغيب والشهادة العليم الخبير.

(1) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 52) ، وحسّن إسناده ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 9) .

(2) رواه أحمد ح (20865) ، وابن حبان ح (6670) ، وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (3314) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت