فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 153

وهكذا كان فقد قُتل - رضي الله عنه - في كربلاء العراق عام 60 هـ، فمن أدرى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن الحسين مقتول؟ ومن الذي أراه تربة مقتله؟ إنه الله العليم.

والأعجب منه تنبؤ النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادة امرأة، وهي أم ورقةَ بنتَ عبد الله بن الحارث، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها كل جمعة، وكان يسميها الشهيدة فيقول: (( انطلقوا نزور الشهيدة ) ).

وذلك أنها قالت: يا نبي الله، أتأذنُ فأخرجُ معك، أمرّضُ مرضاكم، وأداوي جرحاكم، لعل الله يُهدي لي شهادة؟ قال: (( قَرِّي، فإن الله عز وجل يُهدي لك شهادة ) ).

وقد أدركتها الشهادة زمن عمر - رضي الله عنه -، وكانت أعتقت جارية لها وغلامًا عن دُبرُ منها [أي يُعتقان بعد وفاتها] فطال عليهما، فغمّاها [أي خنقاها] في القطيفة حتى ماتت. [1] فكانت وفاتُها شهادة كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فكيف جزم النبي - صلى الله عليه وسلم - بوفاتها غيلة دون سائر الميتات، وهو أمر يندر في النساء؟ إنه دليلٌ آخرُ من دلائل نبوته وآيات رسالته.

ويغدو النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، ويتأخر عن الجيش أبو ذر لبطئ بعيره، فيتركه، ويحمل متاعه على ظهره، ليلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك.

وبينما المسلمون يتفقدون من تخلَّف عنهم، لاح في الأفق سوادُ رجلٍ يمشي، قالوا: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كن أبا ذر ) )، فلما تأمله الصحابة، قالوا: يا رسول الله، هو واللهِ أبو ذر.

فقال - صلى الله عليه وسلم: (( رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده ) ).

لقد عرَف النبي - صلى الله عليه وسلم - شخصَ أبي ذر قبل وصوله إليهم بما أعلمه الله، كما تنبأ - صلى الله عليه وسلم - بأن أبا ذر، كما هو الآن يمشي وحده بعيدًا عن أصحابه، فإنه سيموت وحده بعيدًا عنهم، ثم يبعث من ذلك المكان وحده.

(1) رواه أحمد ح (26538) ، وأبو داود ح (571) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ح (552) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت