فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 153

وحين انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان صاحبا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الركوب عليٌّ وأبو لبابة.

قال ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي - صلى الله عليه وسلم - [أي إذا انتهت مرحلة النبي في الركوب] قالا له: اركب حتى نمشي عنك. فيقول لهما - صلى الله عليه وسلم: (( ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما ) ). [1]

وحين شرع الصحابة في حفر الخندق لم يركن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منزلته بين أصحابه، ولم يترفع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل معهم في الحفرِ ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول:

والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزِلَنْ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبَينا [2]

وكان - صلى الله عليه وسلم - يمقت كل مظاهر الكِبْر والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان يكره ذلك ويمنعهم منه، يقول أنس: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك) . [3]

ومن كان هذا نعته فجدير أن يبغض وقوف أحد فوق رأسه كما يُفعل للملوك، وهاهو - صلى الله عليه وسلم - يصلي في مرض وفاته قاعدًا، وصلى أصحابه وراءه قيامًا ..

يقول جابر: فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: (( إن كدتم آنفًا لتفعلون فِعل فارسَ والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا؛ ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا ) ). [4]

(1) رواه أحمد ح (3769) .

(2) رواه البخاري ح (3034) ، ومسلم (1803) .

(3) رواه أحمد ح (11936) ، والترمذي ح (2754) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(4) رواه مسلم ح (413) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت