إنك مستطيع، فما يمنعك؟ ولا يستقيم الكلام إلا على تقدير ذلك، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: (هل تستطيع أن يفعل غيرك) [1] .
وأما قراءة الجمهور بالغيبة والرفع فيجب توجيهها إلى تأويل الاستطاعة بمعنى الرغبة، أي هل يرضى ربك أن ينزل المائدة إن سألته ذلك، كما يقول من يبتغي النصرة من عزيز: أتقدر أن تساعدني في ذلك، وهو يعلم قدرته واستطاعته، ولكنه لون من الأدب تعرفه العرب في كلامها [2] .
وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عزّ وجلّ؛ ولهذا قال عيسى في الجواب: (اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين) [3] .
ولكن اعترض القرطبي على هذا التأويل لأن الحواريين خلفاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال الله حكاية عنهم وإقرارا لهم: قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [الصّف: 61/ 14] ، وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير» [4] ، ولا يخفى أن معرفة الله سبحانه أول الواجبات على المؤمن، فكيف يصبح هؤلاء حواريين للسيد المسيح ثم لا يعرفون صفة القدرة منه سبحانه وتعالى [5] .
ولعل أحسن تأويل لذلك أن يقال: إنهم عرفوا الله عزّ وجلّ معرفة استدلال وأخبار، فأرادوا علم معاينة وشهود، كما قال إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: 2/ 260] ، فإن إبراهيم من أعظم المؤمنين بقدرة الله سبحانه وكماله ووحدانيته، ثم سأل الآية علّل ذلك بقوله: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 2/ 260] ، وكذلك قال الحواريون:
نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: 5/ 113] .
(1) المصدر نفسه 241.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 365.
(3) المصدر نفسه 6/ 364.
(4) أخرجه البخاري ومسلم عن جابر في كتاب الفضائل باب فضائل الزبير بن العوام. وأخرجه كذلك ابن عساكر عن الزبير، وأحمد في مسنده عن علي رضي الله عنه.
(5) القرطبي 6/ 365.