الشبهة الثانية: يقول بعض الناس: إن منهج السلف منهج نصي يقف عند حدود ظاهر النص ولا يغوص في المعاني ولا مدخل للعقل فيه! والذي يردد هذه العبارات هم أهل الكلام، فأهل الكلام يؤسسون العقائد على العقل مجردًا عن الدين وعن النقل، فإذا قيل لهم: لماذا تؤسسون العقائد على العقل مع أن الدين فيه بيان للعقائد، قالوا: الدين إيمان مجرد ليس فيه إقناع عقلي، وليس كل الناس عندهم استطاعة أن يؤمنوا؛ لأننا نخاطب كفارًا ونخاطب ناسًا لا يحترمون الدين، فلا بد أن نؤسس العقائد على العقل بغض النظر عن الدين! وهؤلاء جهلوا جهلًا ذريعًا أن هذا الدين فيه أدلة عقلية لو جمعها الإنسان لاستطاع أن يحارب بها كل مشرك وضال ومبتدع، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عليه هذا الدين جاء بمصلحة المسلمين في أصول الدين وفروعه وفي مسائل الدين ودلائله، ففي القرآن الكريم أدلة عقلية قاطعة لا تقبل الجدال ولا تقبل الخلاف، وهي تدل على إثبات العقائد، سواء في موضوع وجود الله، أو في موضوع العبودية لله، أو في موضوع اليوم الآخر، أو في موضوع النبوات، أو في أي موضوع من موضوعات العقائد.
والحقيقة أن أهل الكلام جاءوا بهذه الفكرة من الفلاسفة، والفلاسفة -خاصة المتأخرين منهم- بنوا عقيدتهم على أن الدين إيمان مجرد على أمرين: الأمر الأول: أن النصارى وأرباب الكنيسة كانوا يطالبون الناس بالإيمان المجرد بعيدًا عن العقل، لوجود عقائد لا يقبلها العقل، مثل الثالوثية، ومثل العشاء الرباني، وبعض أنواع العقائد التي جاءوا بها مما لا يقبلها العقل، ولهذا قالوا للناس: لا بد أن تؤمنوا إيمانًا مجردًا عن العقل.
الأمر الثاني: أن هناك أصلًا فلسفيًا يرى أصحابه أن الأديان لا مدخل لها في العقليات ولا مدخل لها في البراهين، ولهذا لو رجعتم -مثلًا- إلى كتاب زكي نجيب محمود محفوظ لوجدتم ذلك، وزكي من الفلاسفة الكبار الأحياء الآن، وله كتاب اسمه (موقف من الميتافيزيقيا) والمقصود بالميتافيزيقيا: الغيبيات أو ما وراء الطبيعة، وهو لا يؤمن بالغيبيات؛ لأنه على نظرية المنطقية الوضعية، ويرى أن الدين هو مجرد الإيمان والتسليم بدون برهان وبدون دليل، ولهذا لا يرى أن الدين مشتمل على البراهين، ولا يرى أن الدين مشتمل على الأدلة العقلية المقنعة، ومن هنا كان هو والمتكلمون ممن تأثر بالمنهج الفسلفي يقولون: إن منهج السلف منهج نصي لا يتضمن العقائد اليقينية المقامة على البراهين العقلية، ونحن نقول: إن منهج السلف مأخوذ من القرآن والسنة، وقد اشتمل القرآن والسنة على أدلة عقلية لا شك فيها.
ونضرب على هذا مثلًا، وذلك في قوله عز وجل: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] ، جاء المشرك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففت عظمًا عنده وقال: يا محمد! هل تعتقد أن الله يحييها بعد أن صارت رميمًا؟ فقال الله عز وجل: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} [يس:78] يعني: بحركته هذه.
{وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس:78] يعني: نسي أن الله عز وجل خلقه من قبل وهو لم يك شيئًا.
{قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] فرد عليه سبحانه: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:79] ، فأنت الآن أتيت بعظم رميم وفتته أمام النبي صلى الله عليه وسلم تقول: من يحيي هذا؟ فنقول: يحييه الذي جاء به وهو لم يكن شيئًا؟! فرد عليه بدليل يقيني عقلي: أن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل إن البدء أصعب من الإعادة؛ لأن البدء ليس له مادة يتكون منها، بينما الإعادة لها مادة موجودة ممكن أن يكون الشيء منها، ولو رجع واحد منا إلى كتاب (درء تعارض العقل والنقل) مثلًا، واستقرأه لاستطاع أن يجمع كثيرًا من الأدلة العقلية التي ذكرها ابن تيمية رحمه الله من النصوص القرآنية، كقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35] ، وهذا فيه بيان أن الله هو الخالق، فكيف البيان العقلي لهذه الآية؟ يقول الله لهم: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ، فهل تتصورون أن أحدًا يخلق من غير شيء هكذا صدفة؟ هذا لا يمكن، فإن الإنسان مفطور على أن المحدث لا بد له من محدِثٍ، وأنت ترى الطفل الصغير إذا كان متجهًا نحو جهة وجئته وحركته من ورائه التفت إليك، كيف عرف الصبي أن هذه الضربة لها محدث وهو أنت، مع أنه لم يكن كبيرًا بحيث إنه يعلم هذا الأمر؟ هذه فطرة موجودة، وهي مقدمات عقلية ثابتة في كل الناس.
قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) وهم يعرفون أنهم ليسوا هم الخالقين، وتحصل من هذا أن الله هو الخالق، وهذا برهان عقلي لا شك فيه.
وقال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ