مثال رابع على القواعد التي تخالف الكتاب والسنة، وقد يلتزم بها أصحابها ويتحاكمون إليها، وهذا خطأ، فإنه لا يصح للإنسان أن يقعد قاعدة حتى تكون محررة من الكتاب والسنة.
فمثلًا ذكر بعض المصلحين من الدعاة قاعدة: وهي أنه عند كلامك على الآخرين لابد أن توازن بين الحسنات والسيئات، وأطلقها هكذا.
وهذا خطأ، إذ لا يلزم عند نقدك للآخرين أيًا كانوا أن توازن بين الحسنات والسيئات، نعم قد يقتضي المقام الموازنة، وذلك عندما يكون هذا الإنسان إمامًا من أئمة أهل السنة، والخلاف معه في مسألة معتبرة، فتنقد ما عنده من الخطأ في جانب، وتعترف له بالفضل العظيم في جانب آخر.
لكن عندما يكون إمامًا من أئمة أهل البدع، ورمزًا من رموزهم، ورأسًا من رءوسهم، وينشر الفساد العقدي في كل مكان، فمثل هذا كيف توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا جئت لتنتقد الجهم بن صفوان فهل تقول: إن الجهم بن صفوان إنسان، والإنسان له احترام عند الإنسان آخر، وهو أيضًا ينتسب إلى الإسلام، وانتسابه للإسلام يعتبر منقبة؟! ثم بعد ذلك ننتقد عليه كيت وكيت وكيت؟ لا، هذا خطأ في العرض وخطأ في المناقشة، ولهذا لم يستخدم هذا الأسلوب أهل السنة والجماعة في التعامل مع رءوس أهل البدع، والخطأ في هذه القاعدة كما تلاحظون هو التعميم، كالخطأ في القاعدة التي قبلها.
فالتعميم بهذه الطريقة ووضع هذه القاعدة والتزامها سلوكًا ودعوة خطأ كبير جدًا، ومؤثر على سير الدعوة الإسلامية، ويؤثر على الضوابط الشرعية المعروفة عند أهل السنة في التعامل مع المخالف، ومعرفة حجم مخالفته، وقياسها بالنسبة للمنهج القرآني، لكن الخطأ في هذه القاعدة ليس مثل الخطأ في التي قبلها، والخطأ في التي قبلها ليس مثل الخطأ في التي قبلها وهكذا.
إذًا: المقصود من هذا الكلام هو ألا يأتي إنسان ويضع قاعدة ليست محررة أو هي مخالفة للقرآن والسنة، ثم يحاكم النصوص والآخرين إليها، هذا خطأ كبير جدًا، حتى إن بعض الذين قالوا بالموازنة بين الحسنات والسيئات ذكروا أمثلة غريبة جدًا في الموازنة، فيقولون مثلًا: إن الله سبحانه وتعالى عندما يذكر بعض الكفار قد يذكر بعض الإيجابيات الموجودة عندهم.
نقول: إن ذكر الإيجابيات هنا ليس المقصود منه الموازنة أصلًا، في بعض الأحيان يكون المقصود منه بيان قوتهم، وبعض الأحيان يكون المقصود منه بيان استفادته من بعض الأسباب الطبيعية، وقد يكون له أكثر من معنى، وليس المقصود الموازنة، وإنما تكون الموازنة في الرجل الذي يكون من أهل السنة، فمثلًا: الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان إمامًا من أئمة الهدى، ومن أئمة أهل السنة والجماعة، ومن المصلحين والدعاة، وأخطأ في مسألة كشف المرأة لوجهها فأباحه، وقال: لا أقول بوجوبه، ولا أقول إن المرأة الكاشفة لوجهها عليها إثم في ذلك، واستدل ببعض الأدلة التي كان له شبهة فيها، فمثل هذا الإمام يمكن أن أنتقد قوله في هذه المسألة، وأقول: إن قوله غير صحيح ومخالف للأدلة الشرعية، والدليل هو كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك أقول: وهذا لا ينقص من قدر الشيخ الألباني رحمه الله؛ فإنه كان إمامًا من أئمة الهدى، وقد نشر العلم، وخدم السنة، ودعا إلى الله عز وجل، ورد على أهل البدع والضلالة، هكذا وتذكر ما عنده من الحسنات.
لكن عندما ينصب إنسان نفسه للبدعة، فهذا لا يعرف من أهل السنة التزام بمسألة الموازنة فيه، وردود أهل السنة على أهل البدع كثيرة جدًا، فقد رد الدارمي رحمه الله على بشر المريسي، ورد الإمام ابن تيمية على الرازي، ورد على الغزالي، ورد على غيرهما، فليس هناك موازنة، وما يذكره ابن تيمية رحمه الله بعض الأحيان من حسنات للأشاعرة فإنما هو في مقابلة سيئات المعتزلة؛ حتى يبين أن هؤلاء أخف من هؤلاء، وليس مقصوده أن يوازن بين حسناتهم وسيئاتهم.
ثم إن الموازنة لابد أن يكون منها نتيجة، أما أن توازن وتسكت فهذا ليست له نتيجة، عندما تقول: هذا له كذا وله كذا، وله كذا، وهذا له وله، فما هي النتيجة؟ بحسب ما غلب عليه، ولهذا تكون الموازنة يوم القيامة عندما توزن حسنات الإنسان وسيئاته، من المعروف أنه إذا كثرت سيئاته فإنه يحكم عليه بأنه في النار، وإذا كثرت حسناته فإنه يحكم عليه بأنه في الجنة، فهل يريد هؤلاء الموازنون أن يوازنوا ثم يحكموا على الشخص بعد ذلك؟ والواقع أنه لا يوجد حكم على الأشخاص، وإنما هو إبراز لسلبيات هؤلاء وحسناتهم، ولعل الداعي لهذه المقالة هو وجود أشخاص يخطئون في نقد الآخرين فيظلمونهم، ويحملون أقوالهم ما لا تحتمل، فاقتضى هذا وجود من يدفع هذا التحامل بهذه الطريقة، أعني بفكرة الموازنة بهذا الأسلوب، ولاشك أن العدل واجب، لكن الموازنة المطلقة حتى مع أهل البدع واليهود والنصارى بهذه الطريقة ليست صحيحة على إطلاقها كما سبق أن أشرنا.
والله أعلم.