الصفحة 61 من 477

الجواب:

الحمد لله وحده، وبعد:

فإن شريعتنا السمحة لم تشترط أن يعقد النكاح في زمان معين، ولا في مكان معين، كما لم تشترط عقده على يد عالم أو فقيه، وإنما اشترط فيه تحقيق أركانه وشرائطه المعروفة في باب النكاح، علمًا بأن جمهور الفقهاء قد ذهبوا إلى استحباب عقد النكاح في المسجد، وهم الحنفية كما في فتح القدير (3/ 189) ، والشافعية كما في إعانة الطالبين (3/ 273) ، والحنابلة، كما في الروض المربع (6/ 243 مع الحاشية) ، وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (32/ 18) ، وابن القيم في إعلام الموقعين (3/ 126) ؛ استدلالًا بالحديث الوارد في سنن الترمذي (1089) من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد ..."ثم قال أبو عيسى الترمذي:"هذا حديث غريب .. وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث"ا. هـ، وهو كما قال، فقد ضعفه من هذا الطريق الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (4/ 201) ، وغيره، وللحديث شواهد دون قوله:"واجعلوه في المساجد"، ولذا فلا يصلح حجة للقول بالاستحباب، وقد أشار إلى هذا الضعف: الشوكاني في السيل الجرار (2/ 247 - 248) ثم قال:"فالمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فلا يجوز فيها غير ذلك إلا بدليل يخصص هذا العموم، كما وقع من لعب الحبشة بحرابهم في مسجده - صلى الله عليه وسلم-،وهو ينظر، وكما قرر من كانوا يتناشدون الأشعار فيه"ا. هـ، ثم صرح بضعف الحديث في نيل الأوطار (6/ 211) .

وذهب عامة الفقهاء إلى استحباب عقد النكاح مساء يوم الجمعة، وقيل: أو ليلتها، كما في فتح القدير للحنفية (3/ 189) ، والفواكه الدواني للمالكية (2/ 11) ، وإعانة الطالبين للشافعية (3/ 274) ، والإنصاف للحنابلة (8/ 38) ؛ وذلك تبركًا بهذا اليوم؛ ولأن فيه ساعة استجابة؛ ولأن جماعة من السلف استحبوا ذلك، منهم: سمرة بن حبيب، وراشد بن سعيد، وحبيب بن عتبة .. ، والحقيقة أن هذه التعليلات والآثار لا تنهض دليلًا للقول باستحباب هذا التوقيت أو سنته؛ حيث لا نص من الشارع هنا.

وذهب المالكية (كما في مواهب الجليل(3/ 408) ، والشافعية كما في روضة الطالبين

(7/ 19) ، والحنابلة في قول كما في الإنصاف (8/ 38) ، إلى أنه يسن عقد الزواج في شوال؛ استدلالًا بحديث عائشة - رضي الله عنها- قالت:"تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان أحظى عنده مني، قال: وكانت عائشة - رضي الله عنها- تستحب أن تدخل نساءها في شوال"أخرجه مسلم في صحيحه (1423) .

وكذا استدل النووي في شرح صحيح مسلم (9/ 209) ، وغيره، بهذا الحديث على الاستحباب، وهذا الاستدلال محل نظر، وذلك أن هذا الحديث إنما يدل على الاستحباب لو تبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قصد ذلك الوقت؛ لخصوصية له لا توجد في غيره، لا إذا كان وقوع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم- على سبيل الاتفاق، لا سيما وأنه -صلى الله عليه وسلم- قد تزوج بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق، ولم يتحر وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي - صلى الله عليه وسلم- يستحب الزواج فيها، وهذا غير مسلم به كما أفاد ذلك كله الشوكاني في نيل الأوطار (6/ 339) .

هذا بالنسبة لمكان العقد، وزمانه، فإنه لم يرد فيه نص من الشارع، فيبقى تحديده خاضعًا لرغبة العاقدين.

أما بالنسبة لسؤالك عن كيفية العقد، ومن يحضره، فالنكاح ينعقد بالإيجاب والقبول الصادرين من الزوج وولي المرأة، أو وكيلهما، أو وكيل أحدهما، وصفة ذلك: أن يقول ولي المرأة: زوجتك ابنتي فلانة أو أختي أو ... ، فيقول الزوج: قبلت الزواج بها، فينعقد بهذا اللفظ، أو بمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت