والقدر الجامع بين تعريفي السكاكي والقزويني هو غاية هذا العلم في مراعاة الكلام لمقتضيات الحال، وهو أمر بلاغي، لا علاقة له بتوجهها النحوي في تبويب مباحث
المعاني غالبا إذ مهمة المعاني عندهما مراعاة المقال لمناسبة الحال، فلا تكلم العالم بلغة الجاهل، ولا السوقي بلهجة البدوي، ولا تضع الظاهر موضع المضمر، ولا المخاطب مكان المتكلم، ولا من حقه التعريف منكرا، ولا من موقعه التقديم مؤخرا، وهو ما يختلط به علم المعاني بعلم البيان بوجه من الوجوه، لأن مقتضيات الحال تجري في التشبيه والاستعارة والمجاز والتمثيل والكناية كما تجري في قضايا الإسناد وموارد الخبر والإنشاء وسواهما، ولكن علم البيان يخرج هنا لأن البحث فيه لا عن أحوال اللفظ من حيث تقديمه وتأخيره، أو تعريفه وتنكيره، أو قصره وحصره، أو حذفه وإثباته، وإنما عن تأدية المعنى الواحد بصور متعددة وبقوالب مختلفة كما هو تعريفه.
أما بالنسبة لسبق السكاكي لمصطلح علم المعاني وكونه أول من قسم البلاغة إلى معان وبيان ومحسنات فهنا تجب الإشارة إلى أن جار الله الزمخشري (ت: 538 هـ) قد ذكر مصطلحي علم البيان والمعاني نصا في حديثه عن آداب التفسير فقال:
«ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان ... » «1» .
وهذا ما حدا بالدكتور شوقي ضيف أن يعد الزمخشري أول من ميز بين المصطلحين، وقسم البلاغة إلى علمين هما المعاني والبيان «2» .
وجاء فخر الدين الرازي (ت: 606 هـ) فتحدث عن الخبر متعرضا لذكر مصطلحي المعاني والبيان تصريحا فقال:
«ولكن الخبر هو الذي يتصور بالصورة الكثيرة، وتظهر فيه الدقائق العجيبة والأسرار الغريبة من علم المعاني والبيان» «3» .
(1) الزمخشري، الكشاف: 1.
(2) شوقي ضيف، البلاغة: تطور وتأريخ: 221.
(3) الرازي، نهاية الإيجاز: 36.