فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 248

من المؤرخين من يشكك بأن التاريخ يصنعه إنسان بعينه، وأن الإنسان الفرد لا يقوى على تغيير المجتمعات وحركة التاريخ، ولكن التاريخ نفسه يثبت عكس ذلك، فقد تغيرت حركة التاريخ تمامًا في أزمان كثيرة وفي أماكن متعددة بظهور أشخاص بعينهم، ولا أقول: إنها تغيرت بحياة رسول أو نبي فهذا واضح مفهوم، ووجود الوحي والتوجيه الرباني المباشر يجعل المقارنة مع بقية فترات التاريخ مستحيلة، ولكن أقول: إن حركة التاريخ تتغير بأشخاص معينة ليسوا بأنبياء ولا رسل، فقد تغيرت حركة التاريخ بوجود أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وحروب الردة شاهد على ذلك، وتغيرت حركة التاريخ بوجود عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وراجعوا فتوح الإسلام، وتغيرت حركة التاريخ بوجود عمر بن عبد العزيز رحمه الله وموسى بن نصير وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود، صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وعبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين وغيرهم كثير جدًا رحمهم الله جميعًا، وعلى الرغم من أنهم يظهرون على فترات متباعدة، إلا أن أثرهم يمتد إلى آماد بعيدة.

وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) ، ولكن هذه الراحلة إن وجدت فيا سعادة أهل الأرض بوجودها.

وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، وقطز لا شك أنه كان من هؤلاء المجددين، فإن شئت فتحدث عن إيمانه وخشوعه، وإن شئت فتحدث عن عفته وعفافه، وعن كفاءته ومهارته، وعن صدقه وإخلاصه، وعن جهاده وتضحيته، وعن قوته وبأسه، وعن صبره ومصابرته، وعن حلمه وتواضعه، وعن علمه وخبرته.

فقد كان رجلًا مجددًا بمعنى الكلمة.

وكان كما وصفه الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء حيث قال: كان فارسًا شجاعًا سائسًا دينًا، محببًا إلى الرعية، هزم التتار وطهر الشام منهم يوم عين جالوت، ويسلم له إن شاء الله جهاده، وكان شابًا أشقر، وافر اللحية، تام الشكل، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة ورضي عنه.

ووصفه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية بقوله: كان شجاعًا بطلًا كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا.

ويعلق المؤرخون المسلمون دائمًا على مسألة حب الناس للشخص، وحب الرعية للزعيم، فهذا مقياس دقيق جدًا من مقاييس العظمة الحقيقية، فالصالحون من هذه الأمة لا يحبون إلا صالحًا، ولا يبغضون إلا فاسدًا، ومن أجمع الصالحون على حبه فهو محبوب عند الله عز وجل، ومن أجمعوا على بغضه فهو بغيض عند الله عز وجل، وهذا كلام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أُحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) .

وهكذا نرى بوضوح في حركة التاريخ أن هناك رجالًا بعينهم يغيرون فعلًا من مسار التاريخ، ولكن مع وضوح هذا الأمر وجلائه أمام أعيننا في كل صفحات التاريخ، فإن العجيب أن الناس دائمًا يبحثون عن هذا الرجل في خارج بيوتهم وشوارعهم ومدنهم، ويعتقدون دائمًا أن هذا الرجل سيأتي من مكان بعيد وزمان بعيد، بل لعله يأتي من خارج الأرض، ولا يعد كل واحد منا نفسه وأهله وأبناءه وإخوانه ليكونوا هذا الرجل المغير، فلماذا لا تكون أنت قطز؟ ولماذا لا يكون ابنك قطز؟ ولماذا لا يكون هو أخاك؟ إننا ندرس التاريخ لكي نسير على درب الصالحين ونتجنب دروب الفاسدين، فلماذا لا نسير على خطوات قطز رحمه الله الواضحة الثابتة لنصل إلى عين جالوت، في زمان كثر فيه أشباه التتار؟ ووالله ما عاد لدينا عذر، فقد أقيمت علينا الحجة، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت