فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 248

الطريق الأول: طريق التريبة بالقدوة، ففعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، فقال لهم في شجاعة وعزم: أنا ألقى التتار بنفسي، فـ قطز رحمه الله الذي يجلس على عرش الدولة العظيمة مصر، والذي لم يستمتع أو يستفد بعد من كرسيه ومنصبه، والذي ما زالت أمامه الحياة طويلة، فهو ما زال شابًا سيخرج بنفسه للقاء التتار وللجهاد وللموت في سبيل الله، ولن يرسل جيشًا لمقابلة التتار، ويبقى هو في قصره الآمن في القاهرة، بل سيتحمل مع شعبه ما يتحمل، وسيعاني مع جيشه ما يعاني.

ولو أنه أرسل جيشًا وبقي هو في القاهرة لما لامه أحد، فهو قائد المسلمين، والآمال معقودة عليه، ولو مات فقد ينفرط عقد الأمة، ولكن قطز لم يجد وسيلة أفضل من هذه الوسيلة؛ لتحميس القلوب الخائفة، ولتثبيت الأفئدة المضطربة، كما أنه كان يشتاق إلى الجهاد وإلى الشهادة والجنة، وهو لن يموت قبل الموعد الذي حدده الله عز وجل له، فلقد فقه عمليًا ما أدركه كل المسلمين نظريًا، وهو أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولكن مَنْ مِنَ المسلمين يعيش واقع حياته فعلًا بهذا المفهوم الذي عرفه نظريًا؟ فالناس عادة يتصارعون دائمًا لأجل زيادة الرزق والعمر، ولكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الشجاعة لا تقلل أبدًا من الأرزاق، ولا تقصر مطلقًا من الأعمار، وأن الجبن لا يكثر من المال المقسوم للإنسان، ولا يخلده أبدًا في الحياة.

فقه قطز رحمه الله هذه الحقيقة الرائعة، وفقه كذلك أن الحياة بعزة ولو ساعة خير من البقاء أبد الدهر في ذل وهوان، فلما رأى الأمراء قطز رحمه الله الأمير الممكن الذي يجلس على العرش يقول: أنا ألقى التتار بنفسي، تحركت الحمية في قلوبهم، وتحمسوا حماسة كبيرة جدًا، وهذا هو فعل القدوة، فقد تحركت الحمية في قلوب الأمراء، وقاموا جميعًا يوافقون قطز رحمه الله على لقاء التتار.

والقائد مهما قام بجولات بين جنوده وقواده وشعبه يحمسهم ويشجعهم، وهم يعلمون أنه عند الضوائق والشدائد لن يخرج معهم، بل سيتركهم ويؤمن نفسه وأحبابه فقط، فإن هذه الجولات والخطب لا تؤثر شيئًا مطلقًا في الناس.

وقد تحدثنا قبل ذلك عن محمد بن خوارزم وعن ابنه جلال الدين بن خوارزم وغيرهما من الزعامات التافهة، وكيف كانوا يتكلمون ويخطبون ويتحمسون، ثم عند اللقاء هم أول من يفر.

إذًا: هذه كانت أول طريقة استخدمها قطز رحمه الله في تحفيز الناس وتحميسهم على القتال في سبيل الله، وهذه هي التربية بالقدوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت