وإقامة العلاقات، وما يحمله على هذه الهجرة والترك إلى ذلك الطرف الآخر، إلا أن المهاجر إليه أحب إليه من المهاجر منه، وإلا لما هاجر. فإذا قال أحد: كيف أهجر ما نهى الله عنه؟ كيف أهجر المعاصي؟ كيف أهجر الفسوق؟ كيف أهجر قرناء السوء؟ كيف أهجر مكان الحرام؟ نقول: لا بد أن يكون الطرف الذي ستذهب إليه أحب إليك من الطرف الذي ستخرج منه. ولذلك فالهجرة مرتبطة بالمحبة، ولما كانت الهجرة شاقة على النفس، فلا بد أن هناك شيئًا يعوض المشقة حتى تستطيع الفكاك والهرب والهجرة، فإذا لم ترجع محبة الطرف الثاني الذي ستهاجر إليه على محبتك للطرف الأول؛ فلن تحصل الهجرة، ومن هنا كانت تقوية محبة الله تعالى أمرًا أساسيًا في حدوث الهجرة، سواء هجرة الجسد أو هجرة القلب. لقد كان خروج المهاجرين من مكة إلى المدينة أمرًا شاقًا، حتى إنهم مرضوا في المدينة ، وأصابتهم الحمى، وصار أبو بكر و بلال يأتيان بالأشعار التي فيها التلهف والحنين إلى الإذخر والجليل، وجبال مكة ، والبلاد التي خرجوا منها، والجو والبيوت، ولكن ما هو الذي عوضهم عن ذلك كله؟ إنه محبتهم لله ورسوله، وللدار التي تحكم بما أنزل الله ويحكمها رسوله.
سبب قوة الهجرة وضعفها: ...
والهجرة -كما يذكر ابن القيم رحمه الله في هذه الرسالة- تقوى وتضعف بحسب داعي المحبة في قلب العبد، فكلما كانت المحبة أقوى كانت الهجرة أقوى .. وبعض الناس يهجرون المعاصي هجرًا جزئيًا، وبعض الناس يهجرونها نسبة أكثر، وبعض الناس يهجرونها هجرة كلية، فما هو السبب الذي فاوت بين هؤلاء؟ إنه المحبة. وعندما يكون الواحد لا يزال قلبه يحب المنكر، ولو وعظ موعظة أو قصة انتهى عن ذلك، وربما يترك تركًا مؤقتًا، أو يترك تركًا جزئيًا، لأنه لا زال فيه تعلق ومحبة للشيء الأول، لكن إذا صارت محبة الله طاغية، انقطعت العلاقة.
الهجرة العارضة والهجرة الدائمة: