ولا يجاوز بها هذا الحين رفعت أو نصبت، ولا تمكن في الكلام كتمكن ليس، وإنما هي مع الحين كما أن لدن إنما ينصب بها مع غدوة، وكما أن التاء لا تجر في القسم ولا في غيره إلا في الله، إذا قلت تالله لأفعلن.
ومثل ذلك قوله عز وجل:"ما هذا بشرًا"في لغة أهل الحجاز. وبنو تميم يرفعونها إلا من درى كيف هي في المصحف. فإذا قلت: ما منطلق عبد الله، أو ما مسئ من أعتب، رفعت. ولا يجوز أن يكون مقدمًا مثله مؤخرًا، كما أنه لا يجوز أن تقول: إن أخوك عبد الله على حد قولك: إن عبد الله أخوك، لأنها ليست بفعل، وإنما جعلت بمنزلته فكما لم تتصرف إن كالفعل كذلك لم يجز فيها كل ما يجوز فيه ولم تقو قوته فكذلك ما.
وتقول: ما زيد إلا منطلق، تستوي فيه اللغتان. ومثله قوله عز وجل:"ما أنتم إلا بشر مثلنا"لما تقو ما حيث نقضت معنى ليس كما لو تقو حين قدمت الخبر. فمعنى ليس النفي كما أن معنى كان الواجب، وكل واحد منهما، يعني وكان وليس، إذا جردته فهذا معناه. فإن قلت ما كان، أدخلت عليها ما ينفى به. فإن قلت ليس زيد إلا ذاهبًا أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي. فلم تقو ما في باب قلب المعنى كما لم تقو في تقديم الخبر.
وزعموا أن بعضهم قال، وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذا ما مثلهم بشر
وهذا لا يكاد يعرف، كما أن"لات حين مناص"كذلك. ورب شيء هكذا، وهو كقول بعضهم: هذه ملحفة جديدة، في القلة.
وتقول: ما عبد الله خارجًا ولا معن ذاهب، ترفعه على أن لا تشرك الاسم الآخر في ما ولكن تبتدئه، كما تقول: ما كان عبد الله منطلقًا ولا زيد ذاهب، إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن. وكذلك ليس. وإن شئت جعلتها لا التي يكون فيها الاشتراك فتنصب كما تقوم في كان: ما كان زيد ذاهبًا ولا عمرو منطلقًا. وذلك قولك: ليس زيد ذاهبًا ولا أخوك منطلقًا، وكذلك ما زيد ذاهبًا ولا معن خارجًا.
وليس قولهم لا يكون في ما إلا الرفع بشيء، لأنهم يحتجون بأنك لا تستطيع أن تقول ولا ليس ولا ما، فأنت تقول ليس زيد ولا أخوه ذاهبين وما عمرو ولا خالد منطلقين، فتشركه مع الأول في ليس وفي ما. فما يجوز في كان، إلا أنك إن حملته على الأول أو ابتدأت فالمعنى أنك تنفي شيئًا غير كائن في حال حديثك. وكان"الابتداء"في كان أوضح، لأن المعنى يكون على ما مضى وعلى ما هو الآن. وليس يمتنع أن يراد به الأول كما أردت في كان.
ومثل ذلك قولك إن زيدًا ظريف وعمرو وعمرًا، فالمعنى في الحديث واحد وما يراد من الإعمال مختلف"في كان وليس وما".
وتقول: ما زيد كريمًا ولا عاقلًا أبوه، تجعله كأنه للأول بمنزلة كريم لأنه ملتبس به، إذا قلت أبوه تجريه عليه كما أجريت عليه الكريم، لأنك لو قلت: ما زيد عاقلًا أبوه نصبت وكان كلامًا.
وتقول: ما زيد ذاهبًا ولا عاقل عمرو، لأنك لو قلت ما زيد عاقلًا عمرو لم يكن كلامًا، لأنه ليس من سببه، فترفعه على الابتداء والقطع من الأول، كأنك قلت: وما عاقل عمرو. ولو جعلته من سببه لكان فيه له إضمار كالهاء في الأب ونحوها، ولم يجز نصبه على ما، لأنك لو ذكرت ما ثم قدمت الخبر لم يكن إلا رفعًا. وإن شئت قلت: ما زيد ذهبًا ولا كريم أخوه، إن ابتدأته ولم تجعله على ما، كما فعلت ذلك حين بدأت بالاسم.
ولكن ليس وكان يجوز فيهما النصب وإن قدمت الخبر ولم يكن ملتبسًا لأنك لو ذكرتهما كان الخبر فيهما مقدمًا مثله مؤخرًا، وذلك قولك: ما كان زيد ذاهبًا ولا قائمًا عمرو.
وتقول ما زيد ذاهبًا ولا محسن زيد، الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت ما زيد منطلقًا زيد لم يكن حد الكلام، وكان ههنا ضعيفًا، ولم يكن كقولك ما زيد منطلقًا هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره وإنما ينبغي لك أن تضمره. ألا ترى أنك لو قلت ما زيد منطلقًا أبو زيد لم يكن كقولك ما زيد منطلقًا أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار، فلما كان هذا كذلك أجري مجرى الأجنبي واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفًا فيه. وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سواد ابن عدي: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فأعاد الإظهار. وقال الجعدي: إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر وقد كان أظهرا
والرفع الوجه. وقال الفرزدق: لعمرك ما معن بتارك حقه ولا منسئ معن ولا متيسر
(يُتْبَعُ)