وهذه النقطة تعيدنا إلى مسألة الارتباط بين سورة البقرة وآل عمران في هذا الأمر، في أول سورة البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2) البقرة) لا ريب فيه يعني لا شك فيه فإذا كان كذلك لا بد أن يكون فرقانًا يفرق بين الحق والباطل ويقف كل متحدث عند حدوده لا يتعداها، إذا نزلت آية ما أحد يتعداها.
بعد أن ذكر هذا الوصف العجيب للقرآن في هذا السياق قال (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) ولكن سماه هو ليس بالوصف المعهود له وهو القرآن وإنما وصفه بالفرقان ثم بعد ذلك بقليل قسّم الناس إلى نوعين من هذه الآيات (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ(7 ) ) الآيات المحكمات هي معظم القرآن وأمّ الكتاب أي معظمه (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) معناه أنه ليس فرقانًا عند هؤلاء، (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) هؤلاء ينظرون إليه على أنه فرقان (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) حتى في المسائل العلمية عند النظر في الآيات المتشابهة في القرآن الكريم ينبغي أن ينظر إليها على أنه فرقان بين الحق والباطل وكأن صفة الفرقان هنا نهي من الخوض في المتشابهات التي جاءت بعدها.
لفتة: ونحن نتكلم عن الفرقان وما ربطنا في سورة البقرة ننتقل إلى سورة النساء قال تعالى (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(82) النساء) أوصاف القرآن هناك بحوث ولله الحمد خرجت في هذا الموضوع لكن هل يمكن أن نقول أن هناك جانبًا يحتاج إلى بحث فيما يتعلق بأوصاف القرآن بحث موضوعي يبين لنا بالفعل عن دقة هذه الأوصاف وارتباطها بالسورة بموضوعات السورة بنفس الإسم ودلالة القرآن على نفس الإسم فهو فرقان. غزوة بدر سميت فرقانًا لأنها فرّقت بين الحق والباطل بين جنود الله وجنود الشيطان وهذا القرآن سمي فرقانًا وما أوتي موسى سواء -على خلاف الوارد في آية البقرة هل المراد عطف صفات أو عطف ذوات- أيًا كان ففيه وصف الفرقان. هذه الأوصاف التي وصف بها القرآن لو بحث بحثًا موضوعيًا جيدًا لخرج لنا فوائد دقيقة مهمة جدًا وهذه من فوائد التفسير الموضوعي.
قال تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) فرّق بين هذا الكتاب والكتب السابقة في التعبير فقال (نزّل وأنزل) ذكر بعض العلماء أن الدلائل على أن القرآن نزل مفرقًا أنه جاء التعبير بالتنزيل (نزّل) ونحوه للدلالة على التنجيم الذي خالف فيها القرآن الكتب السابقة فالقرآن نزل مفرقًا حسب الأحداث والوقائع والحكم الربانية والكتب السابقة نزلت جملة واحدة كما هي ألواح موسى فهنا جاء بالتفريق بينهما واضحًا (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) لكن قد يشكل على هذا قوله (مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ(4 ) ) فنقول والله أعلم هذا بالنظر إلى نزوله للواقع وهذا بالنظر إلى القرآن كله أنه أُنزل هداية وفرقانًا بين الناس، عبّر عنه بنزّل وأنزل، استنباط ابن عباس قال نزّل جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجمًا.
كتب الله السابقة نزلت جملة وقع من بعض المتأخرين إعتراض على هذا وأنه ليس هناك دليل على أن الكتب السابقة أنزلت جملة وأن آية (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً(32) الفرقان) هذا افتراض من المشركين ولا يلزم أنه كان كذلك. من العلل التي ذكروها استدراكًا على هذا القول هو أنه إذا كان نزل كاملًا فإذا وقع عند هؤلاء الأقوام شيء يحتاج إلى بيان فكيف يبيّن لهم؟ هم نظروا للموضوع بالقرآن والقرآن له هذه الخاصية نقول أنه يجب أن ننتبه أن وحي الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ليس وحيًا واحدًا فلو افترضنا أنه وقع مثل ما وقع لموسى عليه السلام عندما سًئل من أعلم أهل الأرض؟ قال أنا، فعاتبه الله تعالى وسارت الرحلة التي أمره الله بها هذا لا يلزم أن
(يُتْبَعُ)